![]() |
| on the left a still from "Euphoria" season 3 HBO | on the right a still from ‘The Boys’ Season 5 | Prime Video |
دعونا نُزِح
أمراً عن الطريق أولاً: المشكلة ليست أن هذين المسلسلين شديدا الجرأة. يحلو للبعض
أن يردّد أن التلفزيون الحديث ليس سوى جنسٍ ومخدّراتٍ ودماء، وأن الأعمال
الكلاسيكية كانت «أنظف». لكن هذا غير صحيح. ففي مسلسل «ذا سوبرانوز» (The Sopranos) كان نادي التعرّي ديكوراً
ثابتاً، وضمّ بعضاً من أعنف مشاهد القتل التي عُرضت على الشاشة. وفي «بريكينغ باد»
(Breaking Bad) رأينا رجلاً تطاير نصف
وجهه. لم يكن الفارق يوماً في كمية المادة الصادمة، بل في الغاية التي وُظِّفت من
أجلها.
في الأعمال
الدرامية العظيمة على مدى العشرين عاماً الماضية، كان للقبح معنى. فعنف والتر وايت
كان يشتدّ بالقدر نفسه الذي كانت تتعفّن به روحه؛ كان كل فعلٍ شنيع يقترفه خطوةً
نحو الهاوية. وفي «ساكسيشن» (Succession)، أحد أكثر المسلسلات قسوةً على الإطلاق، لم يكن ثمّة جنسٌ أو عنفٌ
يُذكر تقريباً، لأن قسوته كانت نفسية. كانت المادة الصادمة مُستَحَقّة، تخدم
الحكاية. كنت تشعر بوطأتها لأن العمل جعلها تُكلِّف ثمناً.
وهذا هو
الخيط الذي فقده هذان المسلسلان، كلٌّ على طريقته.
«يوفوريا»
مسلسلٌ آسِرٌ للعين: بريقٌ ولمعان، وأضواء نيون، وتصويرٌ حالم. لكن هذا الجمال هو
فخّه أيضاً. فهو يصوّر تعاطي المخدّرات وإيذاء النفس بصورةٍ بالغة الفتنة، حتى
يكاد الخطر يضيع وسط الوهج. وقد أمضى النقّاد سنواتٍ يجادلون بأن المسلسل يجعل
المعاناة تبدو جذّابة، وأن التحذير والإغراء يصلان معاً في الحزمة البرّاقة ذاتها.
ولفترةٍ من الزمن كان البريق كافياً لإبقاء الناس متعلّقين به. لكنّ عودته
المنتظَرة هذا الربيع حصدت أسوأ تقييمات مشواره كلّه — موسمه الأدنى تقييماً
بفارقٍ كبير — وذلك حتى قبل أن تُعرَض حلقته الختامية. وتبيّن أنه حين يكون الصدمُ
هو المحرّك الوحيد للمسلسل، يكفّ الجمهور في نهاية المطاف عن الشعور بالصدمة.
تتوقّف الحيلة عن أداء وظيفتها.
أما «ذا بويز»
فقد عانى المشكلة المعاكسة، وهي في وجهٍ ما أشدّ إيلاماً، لأنه كان مسلسلاً ذكياً
بحق. فدماؤه وجنونه كانت لها غاية؛ كان عملاً ساخراً يسخر من جشع الشركات، وعبادة
المشاهير، وسياسة الزعيم القويّ. لكن موسمه الأخير انشغل عن خاتمته هو. إذ بدّد
وقتاً ثميناً في التمهيد لأعمالٍ مشتقّة قادمة — مسلسلٍ يسبقه زمنياً، وآخر
متقاطعٍ مع عملٍ مجاور — بدلاً من أن يُنهي القصة التي ظلّ يرويها خمسة مواسم.
فجاءت المواجهة الختامية الكبرى باهتة، وتلاشت في العدم خيوطٌ دراميةٌ ظلّ المسلسل
يروّج لها سنوات. وصنّف المعجبون نهايته في خانة خيبات الأمل الشهيرة، إلى جانب
نهايتَي «غيم أوف ثرونز» (Game of Thrones) و«لوست» (Lost). لم
تفقد السخرية حدّتها، لكن المسلسل كان يعمل لحساب الامتياز التجاري لا لحساب
الحكاية.
أعراضٌ
مختلفة، وداءٌ واحد. وهذا الداء ليس أخلاقياً؛ فالمسألة ليست أن المجتمع صار أكثر
فظاظة أو أن الجمهور صار أكثر بلادة. كل جيلٍ يردّد هذا الكلام، ولم يكن يوماً هو
الجواب الحقيقي. الجواب الحقيقي أقلّ إثارةً وأكثر صدقاً: لقد تغيّرت تجارة
التلفزيون.
في الماضي،
كانت الأعمال الدرامية الكبرى تُعرَض بمعدّل حلقةٍ وا
حدة في الأسبوع على القنوات
المدفوعة، حيث كانت اللعبة كلّها قائمة على بناء السمعة على مهل. كان بوسع المسلسل
أن يُنفِق موسماً كاملاً في إحكام عقدةٍ واحدة وشدّ خيوطها رويداً رويداً، لأن
الصبر كان يؤتي ثماره؛ فالمكافأة كانت في التصاعد البطيء، في ذلك الشيء الذي لا
تناله إلا إذا بقيتَ حتى النهاية. هذا النموذج هو ما جعل ضبط النفس ممكناً. كان
يتيح للمسلسل أن يأخذ وقته.
أما البثّ
الرقمي (الستريمنغ) فيعمل وفق ساعةٍ مختلفة. فالمنصّات لا تبيع سمعةً تُبنى على
مهل، بل تبيع اشتراكات، وهي مرعوبة من أن تُلغي اشتراكك. لذا على المسلسل أن يُثبت
جدارته فوراً. عليه أن يحقّق رواجاً، أن يُنتج المقطع الذي ينتشر كالنار في الهشيم
قبل نهاية الأسبوع، والمشهد الذي يلتقط الجميع صوراً لشاشاتهم عنده، والنهاية
المعلَّقة التي تمهّد للشيء التالي الذي ستشترك من أجله. وهذا يكافئ الغرائز
الخاطئة تماماً: اللحظة الصاخبة القابلة للمشاركة على حساب البناء الهادئ
المتأنّي. «يوفوريا» يلهث وراء اللحظة الرائجة، و«ذا بويز» يُغذّي الامتياز
التجاري. وفي الحالتين الضحيّة واحدة: الحكاية، التي كان يُفترض أن تكون هي
الجوهر، تأتي في المرتبة الثانية.
هذا ما
يكشفه هذان الوداعان حقاً. لم يكن الصدمُ ولا الإبهار هو المشكلة قط؛ بل كانا
العَرَض. المشكلة أنّ الآلة التي تصنع تلفزيوننا بدأت، في مرحلةٍ ما من الطريق،
تكافئ الأشياء الخاطئة، فدُفِعت الحكاية — وهي الغاية الوحيدة التي يوجد المسلسل
العظيم من أجلها — إلى آخر الصفّ.
والخبر
السارّ، إن وُجد، مدفونٌ في تلك التقييمات السيّئة نفسها: لقد انتبه الجمهور. لقد
لمس الفرق بين نهايةٍ تحمل معنى وأخرى مشغولةٍ بلا طائل. وتلك الحاسّة — أن تعرف
متى يبيعك المسلسل إثارةً عابرة بدلاً من أن يقول لك حقيقة — هي ذاتها التي بنت
العصر الذهبي للتلفزيون من الأساس. وهي لم تذهب إلى أيّ مكان. كل ما على المسلسلات
أن تفعله هو أن تتذكّر أنها لا تزال هناك.

التعليقات (0)
تعليقات
إرسال تعليق