لسبعة عشر عاماً، طاردت الولايات المتحدة شبحاً. قنابلُ تصل بالبريد أو تُترك على الأبواب، تنفجر في وجوه أساتذة جامعات وموظفي شركات طيران، دون بصمةٍ واحدة، ولا دافعٍ واضح، ولا وجهٍ معروف. وحين سقط القناع أخيراً عام 1996، لم يكن خلفه محترفُ متفجّرات ولا تنظيمٌ سرّي، بل أستاذُ رياضيات سابق نابغة، هجر الجامعات ليعيش وحيداً في كوخٍ بدائيّ وسط غابات مونتانا. هذه قصة ثيودور «تيد» كازينسكي، الرجل الذي عرفه العالم باسم «أونابومبر».
مَن هو تيد كازينسكي؟
وُلد ثيودور جون كازينسكي في شيكاغو عام 1942، وظهر نبوغه مبكراً حتى صار يُضرب به المثل. دخل جامعة هارفارد في السادسة عشرة من عمره، ثم نال الدكتوراه في الرياضيات من جامعة ميشيغان، وعُيّن أستاذاً مساعداً في جامعة كاليفورنيا – بيركلي وهو من أصغر مَن تقلّدوا المنصب في تاريخها. لكنه استقال فجأةً عام 1969، وبدأ انسحاباً تدريجياً من الحياة الحديثة، حتى استقرّ في كوخٍ خشبيّ صغير (نحو 10×14 قدماً) قرب بلدة لينكولن في مونتانا؛ بلا كهرباء ولا ماءٍ جارٍ، يعيش على الصيد والزراعة، ويغذّي عزلته بالقراءة والكتابة.
بداية الرعب: 1978
في عام 1978 انفجرت أولى قنابله البدائية في إحدى جامعات منطقة شيكاغو. وعلى مدى سبعة عشر عاماً، نفّذ ستة عشر تفجيراً؛ بعضها بالبريد وبعضها سُلّم باليد، وازدادت قنابله تطوّراً وفتكاً مع مرور الوقت. أسفرت حملته عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة قرابة أربعةٍ وعشرين آخرين، فيما زرع الذعر في الجامعات وشركات الطيران، حتى هدّد ذات مرّة بتفجير طائرة ركّاب في الجوّ.
عملية UNABOM: أطول مطاردةٍ وأغلاها
في عام 1979 شكّل مكتب التحقيقات الفيدرالي فرقة عمل، بالتعاون مع مكتب الكحول والتبغ والأسلحة (ATF) وهيئة التفتيش البريدي، حملت الاسم الرمزي «UNABOM» اختصاراً لهدفَي التفجيرات: الجامعات (University) وشركات الطيران (Airline). توسّعت الفرقة لتضمّ أكثر من مئةٍ وخمسين محققاً ومحللاً، وأجرت كلّ فحصٍ جنائيّ ممكن على بقايا القنابل، ودرست حياة الضحايا بأدقّ التفاصيل.
لكن الحصيلة كانت شحيحة. فالجاني يصنع قنابله من موادّ متوافرة في أيّ مكان تقريباً، ويتعمّد ألّا يترك أثراً جنائياً، بينما تبيّن لاحقاً أنه اختار ضحاياه عشوائياً من أبحاث المكتبات. حتى الصورة التقديرية له تراوحت بين ميكانيكيّ طائرات وعالِم، ولم يجزم المحققون في البداية حتى بجنسه.
البيان: «المجتمع الصناعي ومستقبله»
جاء المنعطف الكبير عام 1995، حين أرسل كازينسكي بياناً من نحو خمسةٍ وثلاثين ألف كلمة بعنوان «المجتمع الصناعي ومستقبله»، يشرح فيه دوافعه ورؤيته لِعِلل العالم الحديث، وعرض وقف تفجيراته إن نُشر في كبرى الصحف. وبعد جدلٍ واسع حول «الرضوخ للإرهابيين»، وافق مدير الـ FBI لويس فري والمدّعية العامة جانيت رينو على التوصية بنشره، فصدر في صحيفة واشنطن بوست (بالاشتراك مع نيويورك تايمز) أملاً في أن يتعرّف عليه قارئ.
«الثورة الصناعية ونتائجها كانت كارثةً على الجنس البشري.»الجملة الافتتاحية لبيان كازينسكي
داخل عقله: الأطروحة و«عملية القوة»
لم تكن دوافع كازينسكي شخصيةً ولا ماديّة، بل أيديولوجيةً صِرفة. ففي بيانه رأى أن التقدّم التقني – الصناعي دمّر حرية الإنسان واستقلاله، وأخضع حياته لنظامٍ ضخم لا يملك السيطرة عليه. وطوّر فكرةً أسماها «عملية القوة» (Power Process)، مفادها أن الإنسان يحتاج إلى السعي وراء أهدافٍ حقيقية بجهده الذاتي ليشعر بالرضا والمعنى، وأن المجتمع الحديث يحرمه من ذلك ويغرقه في «أنشطة بديلة» زائفة، فيتولّد القلق والاكتئاب والشعور بالعجز.
لماذا العنف؟
آمن كازينسكي بأن هذا النظام لا يمكن إصلاحه من الداخل، وأن خلاص الإنسان والطبيعة لا يتحقّق إلا بانهياره الكامل. ومن هذا المنطلق رأى في تفجيراته وسيلةً لجذب الأنظار إلى أفكاره وإشعال «ثورة» ضدّ التكنولوجيا. غير أن أيّ تبريرٍ كهذا يبقى منطقاً أعرج لا يمحو حقيقةً واحدة: أن ضحاياه كانوا أبرياء لا ذنب لهم، وأن الأفكار — مهما بدت متماسكة — لا تشتري دماء الناس.
عبقريّ أم مريض؟
تثير قضية كازينسكي سؤالاً ظلّ محلّ جدل: هل كان عبقرياً ضالّاً أم مريضاً نفسياً؟ شخّصه طبيبٌ نفسيّ معيّن من المحكمة بالفصام البارانويي، لكنه رفض رفضاً قاطعاً الدفع بالجنون، وأصرّ على أن أفعاله كانت خياراً عقلانياً نابعاً من قناعاتٍ فكرية لا نتاجَ مرض. وبين التشخيص الطبي وإصرار صاحبه، بقي السؤال مفتوحاً.
كيف سقط: الأسلوب الذي كشفه
لم تسقطه البصمات ولا المتفجّرات، بل لغته. فبعد نشر البيان، تعرّف شقيقه ديفيد كازينسكي على أسلوب الكتابة والأفكار، وبعد صراعٍ داخليّ مرير بين رابطة الدم وواجب إنقاذ الأرواح، أبلغ الـ FBI وسلّمه رسائل ووثائق بخطّ أخيه. وأكّد التحليل اللغوي أن كاتب البيان وصاحب تلك الوثائق شخصٌ واحد، فكان ذلك أساس مذكّرة التفتيش.
المداهمة والنهاية
في 3 أفريل 1996، اعتُقل كازينسكي وداهم المحققون كوخه، فعثروا على كنزٍ من الأدلّة: مكوّنات قنابل، ونحو أربعين ألف صفحة من اليوميات بخطّ يده توثّق تجاربه وجرائمه، وقنبلةً واحدة جاهزة للإرسال. وفي يناير 1998 أقرّ بذنبه لتفادي عقوبة الإعدام، فحُكم عليه بالسجن المؤبّد دون إمكانية الإفراج، وأُودِع سجن «سوبر ماكس» شديد الحراسة في فلورنس بولاية كولورادو. وهناك طُويت صفحته، حتى تُوفّي في 10 جوان 2023 داخل منشأةٍ طبية تابعة للسجون الفيدرالية، في حادثةٍ صُنّفت انتحاراً.
خاتمة: هل يتكرّر اليوم؟
بعد عقودٍ على سقوطه، لا تزال قضية كازينسكي تطرح سؤالاً مُقلقاً أكثر من أيّ وقتٍ مضى. فالعالم الذي نعيشه اليوم بات أشدّ ارتهاناً للتقنية، وأسرع إيقاعاً، وأعمق عزلةً وقلقاً مما كان عليه في زمنه؛ والغضب من «النظام» يتمدّد على المنصّات والشاشات. فهل تكون هذه البيئة أكثر خصوبةً لميلاد «كازينسكي» جديد، يحمل الغضب نفسه بأدواتٍ أشدّ فتكاً؟ ربما لا جواب قاطعاً، لكنّ السؤال وحده يكفي لنتوقّف ونتأمّل — وتلك مهمّة البصيرة: أن نقرأ الأحداث بعين التحليل، لا الانفعال.
التعليقات (0)
تعليقات
إرسال تعليق