لماذا أصبحت النساء مهووسات بـكتب «إباحية الوحوش»؟

 

هناك نوع جديد من الأدب الجنسي يجتاح منصات التواصل الاجتماعي، ولا يتعلق هذه المرة بملياردير وسيم أو عاشق غامض يرتدي بدلة سوداء. البطل قد يكون مصاص دماء، أو مستذئباً، أو غولاً، أو تنيناً، أو حتى مخلوقاً نصفه إنسان ونصفه ثور.

نعم، إلى هذا الحد وصلت الأمور.

على منصة TikTok، وتحديداً في مجتمع BookTok، أصبحت روايات «الرومانسية المظلمة» و«رومانسية الوحوش» ظاهرة جماهيرية حقيقية، وتتنافس الكتب ليس فقط في جودة القصة، وإنما في مقدار ما تحتويه من «توابل»؛ وهي كلمة لطيفة يستخدمها القراء للإشارة إلى كمية المشاهد الجنسية الصريحة في الرواية.

ومن بين أكثر الأمثلة غرابة رواية «Morning Glory Milking Farm» للكاتبة C. M. Nascosta، وهي رواية رومانسية تدور حول امرأة شابة تعاني من الديون وتبحث عن وظيفة، فتجد نفسها تعمل في مزرعة غريبة يتردد عليها كائنات المينوتور.

الفكرة تبدو كأنها نكتة.

لكنها ليست كذلك بالنسبة إلى آلاف القراء الذين جعلوا الرواية جزءاً من موجة واسعة من «إباحية الوحوش» المكتوبة.

من «Fifty Shades» إلى المينوتور:

قبل سنوات، كانت روايات مثل «Fifty Shades of Grey» كافية لإثارة الجدل. كانت فكرة امرأة تنجذب إلى رجل مسيطر، غامض، ثري، ومهووس بالهيمنة تبدو بالنسبة لكثيرين صادمة ومبالغاً فيها.

اليوم، تبدو تلك الروايات شبه محافظة مقارنة بما يُتداول على BookTok.

القارئ الحديث قد يجد نفسه أمام روايات عن نساء يرتبطن بمصاصي الدماء، أو المستذئبين، أو الشياطين، أو الغيلان، أو العمالقة، أو التنانين، أو كائنات لا يمكن وصفها بسهولة بأنها «بشرية».

والأغرب أن هذا المحتوى لا يجري استهلاكه في الخفاء.

نساء يتحدثن عنه علناً، يستعرضن الكتب أمام الكاميرا، يقدمن توصيات لبعضهن، ويقيّمن الروايات وفق مستوى الـSpice. بعض الحسابات تتعامل مع المشاهد الجنسية وكأنها معيار أساسي للحكم على الكتاب.

وهنا تكمن المفارقة.

الرجل الذي يشاهد الإباحية قد يخفي سجل المتصفح، بينما قارئة روايات الـDark Romance قد تنشر على TikTok قائمة بالكتب التي قرأتها، وتشرح لصديقاتها أيها «أكثر إثارة».

إنها الإباحية، ولكن بالكلمات.

«Morning Glory Milking Farm»… نعم، هذا اسم رواية حقيقية:

تدور الرواية حول «فيوليت»، امرأة شابة مثقلة بالديون وعلى وشك العودة للعيش مع والديها، قبل أن تحصل على وظيفة في مزرعة غير عادية.

المشكلة الوحيدة أن زبائن المزرعة ليسوا بشراً.

إنهم مينوتورات.

والرواية لا تكتفي بوجود هذه الكائنات كجزء من عالم خيالي؛ بل تدخل مباشرة في التفاصيل الجنسية للعلاقة بين البشر وهذه المخلوقات.

وهنا يصبح الأمر أكثر غرابة.

في عالم يستطيع فيه البشر إقامة علاقات مع كائنات أسطورية ضخمة، ما يزال هناك شيء واحد لم يختفِ: القروض الطلابية.

يمكن للخيال أن يتخلص من قوانين الطبيعة، لكنه لم يستطع التخلص من النظام المالي.

والرواية ليست حالة هامشية تماماً. فقد حصلت على آلاف التقييمات والمراجعات، وأصبحت مادة متكررة للنقاش على BookTok، فيما تحولت عناوين مشابهة إلى سوق كامل قائم بذاته.

هناك روايات عن مصاصي الدماء، والأورك، والغارغويل، والتنانين، والدببة، والذئاب، وحتى التماسيح.

كلما ظننت أن السوق وصل إلى نهايته، يظهر عنوان جديد يقول لك: لا، هناك مستوى آخر.

لماذا الوحوش تحديداً؟

السؤال الأكثر إثارة للاهتمام ليس: لماذا تقرأ النساء الروايات الجنسية؟

بل: لماذا أصبحت الوحوش جزءاً مركزياً من الخيال الجنسي لدى بعض القارئات؟

أحد التفسيرات المطروحة من القراء أنفسهم هو أن الوحش يسمح للخيال بالانفصال الكامل عن الواقع.

الرجل البشري يحمل معه كل مشكلات العلاقات الحقيقية: الخيانة، وانعدام الثقة، واختلاف الطباع، والمشكلات الاجتماعية، وتوقعات الحياة اليومية.

أما الوحش؟

إنه خيال خالص.

يمكن أن يكون ضخماً ومخيفاً وعدوانياً، لكنه في الوقت نفسه مخلص للبطلة، يحميها، يعاملها بلطف، ويجعلها تشعر بأنها المرأة الوحيدة القادرة على الوصول إلى جانبه الضعيف.

وهنا تظهر تركيبة غريبة للغاية: الخطر والأمان في الشخصية نفسها.

الوحش يستطيع أن يكون مرعباً بالنسبة للجميع، لكنه لا يؤذيها هي.

وهذه الفكرة ليست جديدة تماماً. الأدب والأساطير مليئان بقصص البشر الذين ينجذبون إلى كائنات خارقة للطبيعة. الجديد هو أن الأدب المعاصر أخذ هذه الفكرة إلى منطقة أكثر صراحة وجنسية.

الهيمنة… لكن في عالم خيالي:

جزء كبير من هذا النوع من الروايات يدور حول الهيمنة والخضوع، والسيطرة، والحماية، والقوة الجسدية الهائلة.

الوحش عادةً ليس «الرجل العادي».

إنه أقوى، أكبر، أكثر خطورة، وأكثر قدرة على السيطرة.

لكن الرواية تمنح البطلة شيئاً مهماً: القدرة على اختيار هذا العالم والعودة منه متى شاءت.

ولهذا تظهر في بعض الروايات لغة واضحة حول الحدود والموافقة، حتى عندما تكون العلاقة نفسها مبنية على خيال السيطرة.

في «Morning Glory Milking Farm»، على سبيل المثال، يتوقف البطل ليؤكد للبطلة أنها تستطيع الرفض وأن راحتها هي الأساس.

وهنا تظهر مفارقة مثيرة: الخيال قد يكون عن السيطرة، لكن القارئة تريد أن تبقى هي صاحبة القرار في الدخول إليه.

وهذا أحد الأسباب التي تجعل الفصل بين الخيال والواقع مهماً جداً.

المرأة التي تقرأ عن مينوتور ضخم لا تعني بالضرورة أنها تريد مقابلة مينوتور في الحياة الواقعية.

الخيال ليس اعترافاً بخطة عمل.

عندما يخرج الخيال من الكتاب:

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول ثقافة الخيال إلى سلوك حقيقي يتجاهل حدود الآخرين.

في فعالية مرتبطة بالرومانسية المظلمة تحت اسم «Sinners and Stardust»، ظهرت شهادات ومنشورات تتحدث عن حوادث لمس وتحرش وتجاوز للحدود.

إحدى الروايات التي انتشرت حول الفعالية تحدثت عن فنان يدعى Animus، وقيل إنه تعرض للمس من أشخاص من دون موافقته، بما في ذلك محاولات لمس داخل الملابس، ومحاصرته جسدياً، وملاحقته بعد مغادرته المكان. كما وردت ادعاءات بشأن استخدام جهاز AirTag لتتبع موقعه.

ولم تقتصر الشهادات المتداولة على الرجال؛ إذ تحدثت نساء أيضاً عن تعرضهن للمضايقة واللمس غير المرغوب فيه.

إذا صحت هذه الشهادات، فالمشكلة هنا لا علاقة لها بكون الشخص رجلاً أو امرأة، ولا بكون المناسبة مخصصة للرومانسية المظلمة.

لا يعني ارتداء زي شخصية خيالية أن جسدك أصبح ملكاً للجمهور.

الخيال الجنسي شيء، والموافقة الواقعية شيء آخر تماماً.

هل «إباحية الوحوش» تعيد برمجة الدماغ؟

هذه النقطة تحتاج إلى قدر من الحذر.

تُطرح أحياناً ادعاءات بأن الاستهلاك المتكرر للمحتوى الجنسي قد يؤثر في أنماط الإثارة والتفضيلات لدى بعض الأشخاص، لكن لا يمكن تحويل ذلك ببساطة إلى قاعدة تقول إن قراءة روايات جنسية عن الوحوش «تعيد برمجة الدماغ» أو تجعل القارئ غير قادر على التمييز بين الخيال والواقع.

الأمر أكثر تعقيداً من ذلك، والادعاءات القاطعة تحتاج إلى أدلة علمية قوية.

لكن السؤال نفسه يظل مشروعاً: إلى أي حد يمكن أن يؤثر ما نكرره في خيالنا على ما نعتبره مثيراً أو جذاباً؟

لا توجد إجابة بسيطة تصلح للجميع.

في النهاية… لماذا يحبون الوحوش؟

ربما لأن الوحش ليس وحشاً فعلياً.

إنه رمز.

رمز للرجل القوي، المسيطر، الحامي، الخطير على الآخرين والآمن بالنسبة إلى البطلة. إنه نسخة مبالغ فيها من خيال رومانسي قديم: أن تكون هناك شخصية قوية قادرة على حماية البطلة، لكنها تختار أن تكون لطيفة معها وحدها.

ولهذا يمكن أن تكون رواية عن امرأة تقع في حب مينوتور أقل غرابة مما تبدو عليه في البداية.

فالوحش قد يكون مجرد غطاء لخيال أقدم بكثير.

خيال عن القوة، والرغبة، والسيطرة، والحماية، والهروب من الواقع.

لكن السؤال الذي يستحق النقاش فعلاً ليس ما إذا كان هذا النوع من الأدب «غريباً».

الغريب أصبح أمراً نسبياً جداً في عالم BookTok

السؤال هو: ماذا يحدث عندما يتحول الخيال الجنسي إلى صناعة ضخمة، ويصبح ما كان يوماً هامشياً نوعاً أدبياً جماهيرياً تتنافس فيه آلاف الروايات على جذب القارئ بمزيد من «التوابل» والخيالات الأكثر غرابة؟

وربما الأهم من ذلك كله:

إذا كان الرجال يملكون خيالاتهم الغريبة، فلماذا نستغرب عندما تكتشف النساء أن لديهن خيالاتهن أيضاً؟

حتى لو كان بطل القصة هذه المرة… نصفه إنسان ونصفه ثور.

شارك هذا المقال

→ المقال التالي المقال السابق ←

التعليقات (0)

تعليقات