بقلم البصيرة | قراءة في حسابات الحرب الإقليمية وفق تحليل جون ميرشايمر
ماذا لو اندلعت حرب واسعة في الخليج العربي، لم تقتصر نيرانها على إيران وإسرائيل، بل امتدت إلى منشآت النفط والغاز ومحطات تحلية المياه وشبكات الاتصالات في دول الخليج؟ هل يمكن أن تتحول الكارثة إلى فرصة استراتيجية لإسرائيل، التي تنظر إلى إيران باعتبارها أحد أبرز التحديات التي تواجه نفوذها في الشرق الأوسط؟ وهل يمكن لتدمير الدول المجاورة وإضعاف اقتصاداتها أن يخدم المشروع الإسرائيلي، أم أن النار التي يُراد لها أن تحرق الخصوم قد تمتد لتلتهم مصالح من أشعلوا فتيلها؟
هذه الأسئلة يطرحها عالم السياسة الأمريكي جون ميرشايمر، أحد أبرز منظّري الواقعية الهجومية في العلاقات الدولية، في محاولة لفهم ما إذا كان اندلاع حرب مدمرة في الخليج يصب فعلاً في المصلحة الإسرائيلية. والنتيجة التي يصل إليها أكثر تعقيداً من مجرد القول إن إسرائيل تستفيد من إضعاف إيران: فبين الرغبة في تحطيم الخصم الاستراتيجي، وتكلفة تدمير المنطقة بأكملها، تكمن معادلة جيوسياسية شديدة الحساسية.
الخليج تحت النار: ماذا تستطيع إيران أن تفعل؟
ينطلق ميرشايمر من فرضية أساسية مفادها أن استهداف إيران عسكرياً لن يمر دون رد واسع. فطهران، بحسب تقديره، تمتلك القدرة على توسيع نطاق المواجهة لتشمل إسرائيل وعدداً من دول الخليج، مستهدفةً مواقع حيوية قد يؤدي تدميرها إلى اضطرابات تتجاوز حدود المنطقة.
وتشمل الأهداف المحتملة منشآت إنتاج النفط والغاز، ومحطات تحلية المياه التي تعتمد عليها دول خليجية في تأمين احتياجات سكانها، فضلاً عن البنية التحتية للاتصالات، بما فيها الكابلات البحرية الممتدة عبر الخليج العربي.
ولا تكمن خطورة هذه الأهداف في قيمتها الاقتصادية فحسب، بل في دورها المباشر في استمرار الحياة اليومية وعمل الاقتصادات الحديثة. فتعطّل إنتاج الطاقة قد يؤثر في الأسواق العالمية، بينما يمكن أن تتحول الأضرار التي تصيب البنية التحتية للمياه إلى أزمة إنسانية وأمنية، خصوصاً في البلدان التي تعتمد بدرجة كبيرة على التحلية.
أما استهداف شبكات الاتصالات، فقد يضيف طبقة أخرى من الاضطراب إلى المشهد، عبر التأثير في حركة البيانات والخدمات الرقمية والأنشطة التجارية.
وبذلك، فإن حرباً من هذا النوع لن تكون مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل احتمالاً لانهيار منظومة مترابطة من الطاقة والمياه والتجارة والاتصالات. وهنا يبرز السؤال المركزي: إذا كانت إسرائيل تسعى إلى إضعاف إيران، فهل يمكن أن يكون تدمير الخليج بأكمله ثمناً مقبولاً لتحقيق هذا الهدف؟
الاستراتيجية الإسرائيلية: خصوم ضعفاء وتفوق إقليمي
لفهم الإجابة، يعرض ميرشايمر تصوره للأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة. وهو يرى أن السياسة الإسرائيلية تتجه نحو تحقيق مجموعة من الغايات التي تشمل توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، والحد من الوجود الفلسطيني داخل المنطقة التي يتصورها هذا المشروع، وإبقاء الدول المجاورة ضعيفة عسكرياً وسياسياً، ومنع انتشار الأسلحة النووية، والحفاظ على العلاقة الاستراتيجية الوثيقة مع الولايات المتحدة.
وفيما يتعلق بالأراضي، يربط ميرشايمر بين فكرة «إسرائيل الكبرى» وبين التوسع في السيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلاً عن أطماع أو توجهات محتملة تجاه أجزاء من لبنان وسوريا. ويقدم ذلك بوصفه أحد عناصر التصور الذي يستخدمه لتفسير سلوك إسرائيل الإقليمي، لا باعتباره وصفاً متفقاً عليه لجميع مكونات السياسة الإسرائيلية.
أما الهدف المتعلق بالجوار، فيحتل موقعاً محورياً في تحليله. فالدولة التي تتمتع بتفوق عسكري واسع قد تجد مصلحة في منع ظهور قوى إقليمية قادرة على تحديها أو فرض قيود على تحركاتها.
ويشير ميرشايمر إلى مصر والأردن بوصفهما مثالين لدول ترتبطان بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، ولا تمثلان، في تقديره، تحدياً عسكرياً مماثلاً للتحدي الذي قد تطرحه قوة إقليمية أكثر استقلالاً وقدرة.
ومن هذا المنظور، لا يتوقف التفوق الإسرائيلي على امتلاك قوة عسكرية كبيرة فحسب، بل يرتبط أيضاً بطبيعة البيئة المحيطة: من هم الجيران؟ ما حجم قدراتهم؟ وإلى أي مدى يستطيعون العمل باستقلال عن القوى الكبرى؟
وفي هذا السياق، تظهر إيران بوصفها حالة مختلفة.
لماذا تمثل إيران تحدياً خاصاً لإسرائيل؟
بحسب ميرشايمر، تتعارض إيران مع هدفين أساسيين من الأهداف التي ينسبها إلى الاستراتيجية الإسرائيلية: الرغبة في التعامل مع جوار ضعيف، ومنع انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط.
فإيران تمتلك موارد بشرية وجغرافية وعسكرية، إضافة إلى قدرات صاروخية وشبكة من الشراكات والقوى الحليفة في المنطقة، تجعل التعامل معها مختلفاً عن التعامل مع دول لا تمتلك مستوى مماثلاً من القدرة على الرد.
ولهذا، فإن إضعاف إيران قد يُنظر إليه إسرائيلياً باعتباره فرصة لتقليص قدرة منافس إقليمي مهم على التأثير في موازين القوى.
أما الملف النووي، فيضيف بعداً آخر إلى الصراع. فإسرائيل تعارض امتلاك إيران سلاحاً نووياً، وترى في احتمال حدوث ذلك تهديداً استراتيجياً بالغ الخطورة. لكن من الضروري التمييز بين امتلاك القدرة التقنية وبين اتخاذ قرار فعلي بصنع سلاح نووي؛ فهما ليسا الأمر نفسه.
ويرى ميرشايمر أن الجمع بين هذين العاملين يفسر لماذا قد تعتبر إسرائيل إضعاف إيران مكسباً استراتيجياً كبيراً.
لكن هل يعني ذلك أن إسرائيل ستستفيد من أي حرب تؤدي إلى إضعاف طهران، مهما كان حجم الدمار الذي تخلفه وراءها؟
هل يخدم انهيار الخليج المصالح الإسرائيلية؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن حرباً إقليمية واسعة، تُستنزف خلالها إيران عسكرياً واقتصادياً، يمكن أن تحقق لإسرائيل مكاسب كبيرة. وإذا تضررت قدرات إيران إلى حد بعيد، فقد تتراجع قدرتها على منافسة إسرائيل أو دعم حلفائها أو التأثير في الصراعات الإقليمية.
غير أن هذه القراءة تتجاهل حقيقة أساسية: دول الخليج ليست مجرد مساحة جغرافية تحيط بإيران، بل شركاء اقتصاديون وسياسيون مهمون، تربط عدداً منهم بإسرائيل علاقات تعاون ومصالح متنامية.
ويشير ميرشايمر خصوصاً إلى الإمارات العربية المتحدة، كما يرى أن لإسرائيل مصالح في الحفاظ على علاقات جيدة مع السعودية. فهذه العلاقات يمكن أن تفتح آفاقاً للتعاون الاقتصادي والسياسي، وأن تسهم في تشكيل توازنات إقليمية جديدة.
ومن ثم، فإن تدمير منشآت الطاقة والموانئ والبنية التحتية الخليجية لا يعني إضعاف إيران وحدها، بل يهدد أيضاً دولاً يمكن أن تكون شريكة لإسرائيل في ترتيبات إقليمية واقتصادية أوسع.
فالخليج الذي يتحول إلى منطقة مدمرة لن يكون بالضرورة بيئة أكثر ملاءمة للتفوق الإسرائيلي. وقد يؤدي انهيار اقتصادات دوله إلى تعطيل مشاريع التعاون، وإضعاف الاستقرار الإقليمي، وتقويض المصالح التي نشأت من العلاقات السياسية والاقتصادية.
وهنا تظهر المفارقة: قد ترغب إسرائيل في إضعاف منافسها الإيراني، لكنها لا تملك ضمانة بأن الحرب ستصيب إيران وحدها، أو أن نتائجها ستتوقف عند الحدود التي ترغب فيها.
الاقتصاد العالمي: الثمن الذي لا يمكن عزله
هناك عامل آخر يضعف فرضية أن حرباً شاملة في الخليج قد تكون مفيدة لإسرائيل: الاقتصاد العالمي.
فالمنطقة تحتل موقعاً محورياً في إمدادات الطاقة والتجارة الدولية، وأي اضطراب واسع في إنتاج النفط والغاز أو نقلها قد يرفع الأسعار ويزيد تكاليف النقل والتأمين، ويؤدي إلى اضطرابات في الأسواق وسلاسل الإمداد.
وإذا تضررت البنية التحتية للطاقة بصورة كبيرة، فقد تتجاوز التداعيات الدول المتحاربة لتطال اقتصادات بعيدة عن ساحة القتال.
ولن تكون إسرائيل بمنأى عن هذه النتائج. فحتى الدول التي لا تعتمد بصورة مباشرة على منشآت الخليج ستتأثر، بدرجات متفاوتة، بارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الإنتاج والنقل والتجارة.
وكلما اتسع نطاق الدمار، أصبح من الصعب احتواء آثاره أو تحويله إلى مكسب استراتيجي صافٍ لطرف واحد.
بعبارة أخرى، قد تنجح الحرب في إلحاق أضرار جسيمة بإيران، لكنها قد تخلق في الوقت نفسه بيئة اقتصادية دولية أكثر اضطراباً، بما ينعكس سلباً على إسرائيل نفسها.
إسرائيل ليست خارج دائرة الاستهداف
يضيف ميرشايمر عاملاً أكثر مباشرة: إسرائيل لن تكون مجرد مراقب لحرب تدور حولها.
ففي حال اندلاع مواجهة واسعة مع إيران، من المرجح أن تكون الأراضي الإسرائيلية ضمن الأهداف التي تسعى طهران إلى ضربها. وقد تتعرض منشآت عسكرية ومدنية وبنى تحتية لأضرار كبيرة، تبعاً لحجم المواجهة وقدرات الطرفين ونتائج العمليات العسكرية.
وهذا يعني أن السيناريو الذي تتضرر فيه دول الخليج بينما تبقى إسرائيل بمنأى عن الخطر ليس افتراضاً يمكن التعويل عليه.
بل إن اتساع الحرب قد يفرض على إسرائيل استنزافاً عسكرياً واقتصادياً، ويضع سكانها وبنيتها التحتية تحت ضغط مباشر، ويجعل نتائج المواجهة أقل قابلية للتحكم.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط تحليل ميرشايمر: إن إضعاف الخصم لا يمثل بالضرورة انتصاراً إذا كانت كلفة تحقيق ذلك هي إضعاف الذات وتدمير البيئة الإقليمية التي تعتمد عليها مصالح الدولة.
الخلاصة: من يحترق إذا اشتعل الخليج؟
يصل ميرشايمر إلى نتيجة واضحة: قد ترى إسرائيل مصلحة في إلحاق أضرار جسيمة بإيران، لكنها لا تستفيد بالضرورة من حرب شاملة تحرق الخليج بأكمله.
فلو أمكن، افتراضاً، إضعاف إيران وحدها من دون أن تتضرر الدول المجاورة أو الاقتصاد العالمي أو إسرائيل نفسها، لكان ذلك مكسباً استراتيجياً محتملاً من وجهة النظر التي يعرضها. لكن الحروب لا تعمل بهذه البساطة؛ إذ يصعب حصر الردود العسكرية في أهداف محددة، كما أن آثارها الاقتصادية والأمنية قد تمتد إلى أطراف لم تكن ترغب في دخول المواجهة.
إن تدمير الخليج قد يقوض المصالح الاقتصادية والسياسية التي تسعى إسرائيل إلى تعزيزها، ويهدد الاستقرار الإقليمي، ويعرض الأراضي الإسرائيلية نفسها لضربات مباشرة.
في نهاية المطاف، لا يتحدد ميزان الربح والخسارة بحجم الضرر الذي يلحق بالخصم وحده، بل بما يبقى بعد توقف القتال: من يحتفظ بقدراته؟ من يخسر شركاءه؟ من يتحمل الانهيار الاقتصادي؟ ومن يستطيع إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحه؟
قد يكون إضعاف إيران هدفاً استراتيجياً مغرياً لإسرائيل، لكن تحويل الخليج إلى ساحة خراب قد يجعل المكاسب المفترضة أقل بكثير من الثمن الحقيقي.
فإذا اشتعل الخليج، لن تكون المسألة مجرد من ينتصر على إيران، بل ما إذا كان أي طرف قادراً على الخروج من الحريق منتصراً بالفعل.

التعليقات (0)
تعليقات
إرسال تعليق