المعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديموغرافية (INED) صورة |
تكمن المفاجأة في حجم المسافة المقطوعة. ففي سبعينيات القرن الماضي، كانت المرأة في هذه البلدان تنجب ما بين سبعة وثمانية أطفال؛ أما اليوم، فقد هبط المعدل في المغرب إلى 1.97 طفلٍ لكل امرأة سنة 2024، ليتراجع للمرة الأولى في تاريخه دون عتبة الإحلال البالغة 2.1 — وهي العتبة التي يتجدّد عندها السكان دون الحاجة إلى الهجرة. وفي تونس، الوضع أكثر حدّة، إذ انزلق المعدل من 1.58 سنة 2023 إلى 1.53 سنة 2024، ليصبح في مصافّ أكثر المستويات الأوروبية انخفاضاً. ووحدها الجزائر تبدو استثناءً نسبياً بمعدلٍ بلغ 2.61.
لم يأتِ هذا التحوّل من فراغ. فخلف الأرقام تختبئ تحوّلات اجتماعية عميقة: سنوات تعليمٍ تطول، وزيجاتٌ تتأجل، وضغوطٌ اقتصادية تثقل كاهل الأسر، وتوقعاتٌ تغيّرت جذرياً تجاه معنى الأسرة نفسها. وفي المغرب وحده، قفزت نسبة استعمال وسائل منع الحمل بين المتزوجات من نحو 40% في التسعينيات إلى 70% بحلول 2018. ولعلّ ما يلخّص المشهد هو ما خلصت إليه الدراسة من أن الأزواج لم يعودوا يسألون "كم طفلاً نريد؟"، بل "في ظل أي ظروف يمكننا تربيتهم؟" — سؤالٌ يثقله غلاء المعيشة، وارتفاع كلفة التعليم، وندرة العمل المستقر.
وهنا تتكشّف المفارقة القاسية. فالبلدان اللذان يقفان عند ناتجٍ محلّي متواضع، تنزف منهما الهجرة المرتفعة خيرة شبابهما في سنّ العطاء، فيما تفتح أوروبا أبوابها لاستقبال اليد العاملة المغاربية. وهكذا يُستنزف شمال إفريقيا من الداخل ليُغذّي الخارج، في معادلةٍ تُفرّغ المنطقة من طاقتها الحيوية قبل أن تُفرّغها من فقرها. وقد بدأت ملامح هذا الاستنزاف تظهر في الهرم السكاني ذاته، إذ باتت فئة الستين عاماً فما فوق تمثّل 17% من سكان تونس و13.8% من سكان المغرب.
ما تبقّى من الوقت ليس كثيراً. فأمام البلدين ما يُقدَّر بعقدين من الزمن قبل أن يتحوّل هذا المنحنى الهادئ إلى أزمةٍ بنيوية كاملة الأركان. وحين يحدث ذلك، يُرجَّح أن تتولّى إفريقيا جنوب الصحراء ملء الفراغ القادم، لتنزاح ديموغرافيا الإقليم بأسره نحو توازنٍ جديد، تُعاد فيه رسم خرائط السكان والعمل والهوية في آنٍ واحد.
> **المصدر:** المعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديموغرافية (INED)، دراسة Ouadah-Bedidi وBouchoucha وAbdellatif، مجلة *Population & Societies*، عدد 644، ماي 2026.
التعليقات (0)
تعليقات
إرسال تعليق