حين وجّهت إسرائيل ضرباتها إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، لم يكن الردّ الإيراني مجرّد إدانةٍ عابرة، بل رسالةً سياسيةً واضحة: لا سلام في المنطقة ما لم يتوقّف العدوان على لبنان توقفًا دائمًا. اختبرت إسرائيل عزم طهران، فاكتشفت أن الإيرانيين يتعاملون مع لبنان بوصفه جزءًا جوهريًا من أي اتفاقٍ محتمل، لا ورقةً قابلةً للمساومة أو التنازل.
ولم يكن المشهد قبل ذلك يوحي بالتصعيد؛ فقد أحرز الجانبان الأمريكي والإيراني تقدمًا ملموسًا في الأسابيع الأخيرة على مسار التفاوض حول ملف اليورانيوم المخصَّب. غير أن هذا التقدّم تبدّد بين عشيةٍ وضحاها: ضربت واشنطن أهدافًا متعددة داخل إيران، بزعم أن الحرس الثوري أسقط مروحية أباتشي قرب مضيق هرمز، فردّت طهران باستهداف عددٍ من القواعد الأمريكية في دول الخليج. ثم أعلن ترامب أن القوات الأمريكية ستضرب من جديد ما لم توافق إيران على اتفاقٍ فوري.
هكذا عاد المشهد إلى ما كان عليه قبل وقف إطلاق النار المفترض: دورةٌ من العدوان المتبادل بين واشنطن وطهران، تتواصل حتى يرضخ أحد الطرفين أو يقبل بصيغةٍ ما من التسوية.
ما هو النصر هنا؟
يطرح هذا التصعيد سؤالًا جوهريًا: ما معنى النصر في هذه المواجهة؟ هل هو في إيقاع أكبر قدرٍ من الأذى بالخصم؟
بالنسبة لإيران، تبدو المهمة الوحيدة اليوم هي البقاء: أن تظلّ دولةً عسكريةً متماسكة. فصمود الحرس الثوري وبقاؤه فاعلًا، وبقاء النظام قائمًا قادرًا على العمل، نصرٌ في حدّ ذاته بنظر طهران، كما يردّد كثيرٌ من المراقبين.
أما بالنسبة لواشنطن فالأمر أكثر غموضًا. هل النصر أن تتخلّى إيران عن اليورانيوم؟ أم أن يُفتَح مضيق هرمز؟ أم أن يُسقَط النظام ويُستبدَل به آخر؟ لا أحد يملك جوابًا حاسمًا، فيما يُعلن ترامب الانتصار كل يوم ويواصل القصف في الوقت نفسه. وإذا كانت أمريكا قد انتصرت بالفعل، فلماذا تضرب من جديد؟
العقدة ليست إيران
ثمة حقيقةٌ تتكشّف خلف هذا الركام: إيران ليست محوريةً لهيمنة الولايات المتحدة كقوةٍ عالمية، ولا لمصالحها الكبرى. لكن الأمر يختلف تمامًا بالنسبة لإسرائيل، التي ترى في إيران آخر منافسٍ جدّي لطموحاتها التوسعية في المنطقة.
فإيران تموّل حزب الله المرابط على الحدود مع إسرائيل، والحوثيين في اليمن، وحماس. وهذا "محور المقاومة" هو رادع طهران في وجه إسرائيل؛ يكبح حريتها المطلقة في الحركة، ويحول دون أن تفعل ما تشاء، سواء بضمّ مزيدٍ من الأراضي في لبنان أو في فلسطين.السؤال الحاسم
يقودنا هذا كله إلى سؤالٍ واحد: إلى أي مدى تذهب إسرائيل لإفشال أي اتفاقٍ بين واشنطن وطهران؟ فالتجارب الماضية أثبتت أن الاتفاق بين البلدين كان ممكنًا بالفعل.
والخلاصة أنه ما لم تُقيِّد واشنطن إسرائيل، فلن يتحقق السلام في المنطقة. إنها فوضى حربٍ بكل معنى الكلمة، لكنها تكشف في الوقت ذاته الديناميكيات الجديدة للحرب في القرن الحادي والعشرين.
البصيرة — حيث تُقرأ الأحداث بعين التحليل لا الانفعال

التعليقات (0)
تعليقات
إرسال تعليق