لماذا لم تَعُد الأفلام كما كانت؟

 



كلينت إيستويد من فيلم :
The Good, the Bad and the Ugly



تحليل 

قراءة في تحوّل معنى السينما عبر عدسة «بيئة الوسائط»، من زمن «طارد الأرواح» إلى زمن الخوارزمية

في نهاية 1973، أحدث فيلم «طارد الأرواح» (The Exorcist) ما يشبه الزلزال الثقافي: تقاريرُ عن مشاهدين يُغمى عليهم أو يخرجون من القاعات صارخين، وموجةُ هلعٍ أخلاقي بلغت حدّ اعتقاد بعض الجماعات الدينية أنه يسبّب «التلبّس الشيطاني» — ومع ذلك حقّق نجاحاً ساحقاً، وبقي يُعرض قرابة عامين، ويُنسب إليه إشعال ما عُرف بـ«الذعر الشيطاني». لو عُرض اليوم لحقّق إيرادات جيدة على الأرجح، لكن يصعب تصوّر أنه سيُحدث الأثر نفسه. وليست المسألة تراجعَ تديّن المجتمع وحده؛ فـ«الفكّ المفترس» (Jaws) أطلق بعده هلعاً دنيوياً مماثلاً، حتى سمّى بعض العلماء خوفنا غير العقلاني من القرش بـ«أثر الفكّ المفترس».

الإجابة السهلة أن الأفلام «لم تَعُد جيدة». لكنها متهرّبة؛ فأفلامٌ عظيمة ما زالت تُصنع، وتراجع الجودة وحده لا يفسّر هذا الانقلاب الهائل في الأثر الثقافي خلال نصف قرن. ما تغيّر ليس الأفلام أساساً، بل نحن: تبدّلت الثقافة، وتبدّلت طريقة استجابتنا لما نشاهده. ولفهم ذلك، علينا أن نعود قليلاً إلى تاريخ السينما ونظرية الإعلام.

أزمةٌ تتكرّر منذ وُلدت السينما

منذ ولادتها أعلن كل جيلٍ «موت» السينما: هدّدها الراديو ثم التلفزيون، وفي 1951 أرعبت تقنية «الفيجن الهاتفي» — التي تُرسل الأفلام إلى تلفاز المنزل مقابل دولار واحد الاستوديوهاتِ وصالاتِ العرض. يصعب تخيّل مكانتها حينها: ففي 1940 كان أكثر من 60% من الأمريكيين يرتادون الصالات أسبوعياً، بنسبةٍ تفوق روّاد دور العبادة. ثم بدأ الانهيار في الخمسينيات، وبحلول السبعينيات هبط عدد التذاكر المُباعة بأكثر من 70%.

كان الردّ أن تصير الأفلام أضخم: الشاشة العريضة والصوت الأفضل، فوُلدت «الأفلام الضخمة» (Blockbusters) مثل «الفكّ المفترس» و«حرب النجوم»، وعادت الطوابير تلتفّ حول الصالات. أما اليوم فتواجه السينما بين المنصّات الرقمية، وتقلّص «نافذة العرض الحصري» من عامين إلى أسابيع، وهيمنة الأعمال المبنية على ملكيات فكرية معروفة (لم يكن أيٌّ من أكبر 15 فيلماً في 2024 عملاً أصلياً)، والذكاء الاصطناعي أكثرَ تحدّياتها مصداقيةً منذ الخمسينيات. لكن القصة الأعمق تكمن تحت هذا كله.

ما الذي يعنيه «علم بيئة الوسائط»؟

في منتصف القرن، حاول مفكّرون مثل مارشال ماكلوهان ونيل بوستمان فهم مشهدٍ إعلامي متسارع، فكانت خلاصتهم أن «الوسيط هو الرسالة»: الوسائط ليست أدواتٍ محايدة تنقل محتوىً نحكم عليه، بل بيئاتٌ تُعيد تشكيل حواسّنا وعاداتنا وإدراكنا. رأى ماكلوهان أن كل وسيطٍ يَمدّ حاسّةً العجلة امتدادٌ للقدم، والكتاب امتدادٌ للعين ويُخدّر في المقابل حواسّ أخرى.

تكشف «تجربة فوردهام» دقّة هذا الأثر: عُرض المحتوى نفسه مُسقَطاً على جدار (ضوءٌ منعكس) ثم على شاشةٍ مضيئة (ضوءٌ يدخل العين مباشرة)؛ ذكر 6% فقط من المجموعة الأولى أنهم فقدوا الإحساس بالزمن، مقابل 60% في الثانية. أما بوستمان فلم يكن همّه البرامج بل بنية التلفزيون: لأنه مبنيٌّ على الإعلان، تصير وظيفته جمعَ جمهورٍ يُباع للمعلنين، فيُحوّل كل شيء حتى الحروب والكوارث إلى تسلية، حين يُقطع خبرُ كارثةٍ بإعلانٍ مرح.

المشهد «فائق الحداثة»: حين صار الهاتف هو البيئة

تستيقظ فتفتح هاتفك، فينهال عليك سيلٌ مضبوطٌ خوارزمياً ليكون الأكثر جذباً للانتباه، وكلُّ ما سُجّل من وسائط من أي زمنٍ ومكان متاحٌ لك في أي لحظة، توقفه وتُعيده وتشاركه. لقد دخلنا عصر «الوسائط الفائقة»: وسائط تحتوي بداخلها وسائط. فهذا التحليل ذاته مُرشّحٌ عبر الكاميرا، ثم عبر المنصّة وخوارزميتها وتعليقاتها، ثم عبر شكل الهاتف الذي تحمله في السرير أو في المواصلات.

يرى الكاتب ألبرتو روميرو أننا في الفيديو القصير لا نستهلك المحتوى بحدّ ذاته، بل لحظة «التمرير»: ذلك الجزء من الثانية الذي نترقّب فيه ما سيأتي. وهنا تتضخّم مخاوف بوستمان: هدف «الخلاصة» (Feed) إطالةُ الانتباه لعرض مزيدٍ من الإعلانات، فيطفو إلى السطح لا الأفضل بل الأكثر إثارة. والأهمّ أن الهاتف دمج «جهاز التحكّم عن بُعد» بالوسيط نفسه: تحكّمٌ كامل، وحملٌ دائم، وتفريدٌ للتجربة. لم يَعُد الاستهلاك جماعياً ولا مرتبطاً بموعد.

كيف تبدّل معنى السينما

في ذلك المشهد منخفض الدقّة، كانت السينما ذروة الإبهار الحسّي: أضخم الصور، وتجربةٌ شبه تنويمية تدع الفيلم «يغمرك» وسط حشدٍ من الناس، في طقسٍ يقارب القداسة؛ لهذا استطاع «طارد الأرواح» أن يهزّ الثقافة. أما اليوم فالمعادلة انقلبت: حين تذهب إلى السينما عام 2025، فأنت تأخذ استراحةً من أعظم استعراضٍ حسّي صنعته البشرية الهاتف لتلتزم بقطعةٍ واحدة لساعات، في موعدٍ محدّد، ودون أيّ تحكّم. صارت السينما ذروةُ الاستعراض سابقاً تجربةً مضادّة، حتى إن الهاتف هو ما يُثير اليوم الهلع الأخلاقي الذي كان يُثيره «طارد الأرواح».

كيف تنجو السينما إذن؟

الخطوة الأولى التخلّي عن الحنين؛ فلن تستعيد السينما هيمنة الأربعينيات. والثانية ألّا تحارب الهاتف على أرضه: فمحاولة التفوّق عليه في حجم الإبهار عبر «آيماكس» وصورٍ أكبر معركةٌ خاسرة ما دمنا نحمل في جيوبنا أحد أعنف الاستعراضات الحسّية. موضع الفوز أن تقدّم ما يعجز عنه الهاتف، وأهمّ ما تملكه الزمن والتركيز: فهي من أواخر أشكال السرد التي تطلب انتباهك الكامل لقصةٍ مكتملة على مدى ساعتين أو ثلاث دون انقطاع.

حتى «نتفليكس» تُنتج ما تسمّيه «محتوى الشاشة الثانية» المصمّم ليُشاهَد بينما المتفرّج منشغلٌ بهاتفه؛ أما الفيلم المصنوع للصالة فيحمل «نيّة» التركيز حتى حين تشاهده في بيتك. تُضاف إلى ذلك القيمة الجماعية: تجربةُ سردٍ واحد معاً ثم مناقشته، في مقابل نظامٍ يزداد تشظّياً وفرديةً. على الصالات أن تنحاز إلى هذا البُعد وإلى يُسر الكلفة فتذكرة الأربعينيات تعادل نحو 4 دولارات اليوم لا أن تكتفي بمحاكاة أريكة المنزل. أمّا «لغة» السينما فلم تمت؛ بل امتُصّت لتصبح القواعد البصرية السائدة في معظم ما نشاهده، في ما يشبه «ما بعد السينما».

خاتمة: ليست أنقى، لكنها مختلفة

ليس المقصود أن «الهواتف شرٌّ والأفلام خير»؛ فمنهج بيئة الوسائط يسعى إلى رؤية بيئتنا بوضوح لا إلى إصدار أحكام. وللسينما عيوبها: توزيعٌ تحكمه مصالح كبرى، وقدرةٌ على بثّ الدعاية والصور النمطية، وكلفةٌ حوّلتها إلى ترفٍ شبه فاخر. لكنها لن تموت؛ إنها فقط تعني شيئاً مختلفاً الآن. ولو احتضنت ما هو فريدٌ فيها وحدها أن تنقلنا، معاً، عبر قصةٍ واحدة لفترةٍ متّصلة من الزمن فستظلّ تجربةً ثقافيةً حيّة، لا لأنها «أرقى» من غيرها، بل لأنها تمنحنا ما تعجز عنه بقية الوسائط.

هذا المقال تحليلٌ مستوحى من مقالٍ مرئي للناقد توماس فلايت (Thomas Flight) حول تحوّل مكانة السينما، مع الاستناد إلى أفكار مارشال ماكلوهان ونيل بوستمان في «بيئة الوسائط».

شارك هذا المقال

→ المقال التالي المقال السابق ←

التعليقات (0)

تعليقات