لماذا لم نَعُد نقرأ ؟

 تفتح الكتاب الذي طالما وعدتَ نفسك بقراءته، فتقرأ سطراً، ثم سطرين، ثم تعود إلى الفقرة ذاتها للمرّة الثالثة دون أن يعلق منها شيء، وتمتدّ يدك تلقائياً نحو الهاتف. هذا المشهد الصغير، الذي يتكرّر في بيوتٍ لا تُحصى، يخفي وراءه سؤالاً أكبر من مجرّد «كسلٍ» عابر: ماذا أصاب قدرتنا على القراءة؟

حتى وقتٍ قريب، كان كثيرٌ منّا
قادراً على التهام الكتب الضخمة دون عناء: روايات مطوّلة، وسِيَر ذاتية، ونصوص فلسفية متشعّبة. بل إنّ بعضنا كان يُنهي عشرات العناوين في السنة الواحدة. غير أنّ شيئاً ما تبدّل. لم نعد نهجر القراءة بالكامل، لكنّنا فقدنا القدرة على إنهاء الكتاب الواحد. والظاهرة لم تعد فرديّة: فقد بدأ أساتذة جامعيون يتخلّون عن تكليف طلابهم بقراءة كتبٍ كاملة، بعدما لاحظوا أنّ الطالب الجديد بالكاد يحتمل بضع صفحاتٍ دون أن يطلب تلخيصاً لها. فما الذي يحدث لعقولنا؟

حربٌ على الانتباه

الخطأ الشائع أن نعدّ عجزنا عن التركيز فشلاً في الإرادة. الأدقّ أن نفهم الانتباه بوصفه مورداً محدوداً. فحين تكون المعلومات الواردة قليلة، يتوزّع انتباهنا على أشياء معدودة، فنتعمّق ونُمضي وقتاً طويلاً مع الفكرة الواحدة. أمّا حين تنهال علينا آلاف المثيرات في آنٍ واحد، فيتشظّى الانتباه وينتشر رقيقاً بينها جميعاً، ويصبح استعدادنا للقفز من شيءٍ إلى آخر بالغ السهولة. كلّ شيءٍ من حولنا يخوض حرباً على انتباهنا، وعقولنا هي ساحة المعركة.

 والخاسر الأول في هذه الحرب هو الكتاب.

لكنّ المفارقة أنّنا لم نفقد قدرتنا على التركيز فعلاً؛ فنحن قادرون على متابعة موسمٍ كامل من مسلسلٍ في جلسة واحدة. المشكلة أنّ التقنية الحديثة درّبتنا على «تعدّد المسارات»: إشعارٌ يُضيء، ومقطعٌ مُقترَحٌ يلوح، فيصبح سلوكنا الافتراضي مطاردة جرعاتٍ سريعة من المتعة. أمّا الكتاب الكثيف فيطالبنا بأن نغوص في فكرةٍ واحدة لساعات، ومن اعتاد القفز بين التطبيقات يجد في ذلك عذاباً. نحن لم نتحوّل إلى كائناتٍ بلا ذاكرة، بل نعيش في بيئةٍ تُطلق علينا رصاص الدوبامين ليل نهار. ببساطة: خرجنا من التمرين، والنتيجة ظاهرة للعيان.

مفارقة الاختيار

ثمّة عاملٌ آخر أقلّ وضوحاً: وفرة الخيارات. تكشف الأبحاث أنّ المرء كلّما ازدادت الخيارات أمامه، قلّ رضاه عن قراره النهائي. ففي تجربةٍ نفسية شهيرة عُرفت بـ«تجربة المربّى»، وجد الباحثون أنّ المتسوّقين حين عُرض عليهم أربعةٌ وعشرون نوعاً من المربّى كانوا أقلّ ميلاً إلى الشراء ممّا لو عُرضت عليهم ستة أنواعٍ فقط. الوفرة، إذن، قد تنقلب على نفسها فتدفع المرء إلى الإحجام عن الفعل من أساسه.

وإذا أسقطنا هذا على الكتب، فلدينا الملايين منها على بُعد نقرةٍ واحدة. والنتيجة أنّنا لا نرضى أبداً بما نختار: نتصفّح، ونُجرّب، ونقرأ فصلاً أو فصلين، ثم نستسلم. وإن لم يأسرنا الكتاب في فصله الثاني، قلنا في أنفسنا: ثمّة محيطٌ من الكتب الأخرى، ولعلّ الكتاب التالي هو ضالّتي. هكذا تتحوّل الوفرة إلى رعيٍ سطحيّ بلا هضم.

الإرهاق وعقلٌ مُنهَك

حتى لو حللتَ مشكلة الهاتف وفائض الخيارات، يبقى احتمالٌ كبير أن تكون ببساطة مُنهَكاً أكثر من أن تقرأ. صار الإرهاق ظاهرة معتادة إلى حدّ أنّ غيابه بات هو الغريب. وجزءٌ من ذلك طبيعة العمل الرقمي الحديث: مهامّ صغيرة مبعثرة على مدار اليوم، ورسائل لا تنقطع، وإشعاراتٌ متلاحقة، تفرض على الدماغ ضريبةً ذهنية دائمة. فحتى حين تُغلق جهازك، لا تنفصل ذهنياً؛ إذ ثمّة دوماً رسالة ينبغي مراجعتها أو مشروعٌ يقبع في خلفية الوعي. وهذه الهواجس تلتهم ذاكرتك العاملة كما لو تركتَ ثلاثين نافذةً مفتوحة في متصفّحك تستنزف البطارية في الخفاء.

وقد طرح الباحث كال نيوبورت مفهوم «الإنتاجية البطيئة» نقداً لهذا النمط المتشظّي. فحين يُجهد الضغط المتواصل قدرتنا على التركيز وتذكّر التفاصيل، نُرغم أنفسنا على القراءة بعد يومٍ شاقّ، فننسى نصف ما قرأناه، ونعود إلى الصفحة ذاتها مراراً. والنتيجة إحباطٌ، ورغبةٌ متناقصة في المتابعة، ثم لجوءٌ إلى كلّ ما لا يتطلّب أيّ جهدٍ ذهني.

العامل الجديد: الذكاء الاصطناعي

لكنّ العامل الأحدث، والأخطر ربّما، هو الذكاء الاصطناعي. صار كثيرون يستعملونه يومياً وبكثافة، وكلّما ازداد الاعتماد عليه تضاءل الصبر على قراءة كتابٍ ضخم. تخيّل كتاباً من ثلاثمئة صفحة، فيه خمسون صفحة من الذهب الخالص ومئتان وخمسون من حشو المؤلف. صار بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يقودك مباشرة إلى الخلاصة، مراراً وتكراراً. عندها يبدأ العقل يتساءل: لماذا أقرأ هذا الفصل من أساسه؟ ولماذا أهتمّ بسيرة هذا الكاتب؟

وهنا يكمن الفارق الجوهري: كانت الشاشات والتطبيقات تشتّتنا بمحتوى تافه، أمّا الذكاء الاصطناعي فلا يشتّتنا عن المعرفة، بل يقدّمها مكثّفة ومخصّصة. ولذا لم يعد السؤال عن «القراءة» بإطلاق، بل عن «الكتاب» بوصفه تقنية. لقد ظلّ الكتاب لأكثر من خمسة قرون البطل بلا منازع في نقل المعرفة، لكنّ هذا قد يتغيّر، إذ يتّجه نحو ما هو أكثر مرونةً وتخصيصاً وأقلّ خطّية.

كيف نستعيد تركيزنا؟

رغم ذلك، ثمّة أمل، وثمّة كتبٌ كثيرة لا يزال يجدر بنا قراءتها. وأوّل ما ينبغي تصحيحه وهمٌ شائع: أنّ الانتباه إذا احترق فُقد إلى الأبد. وهذا غير صحيح؛ فالانتباه أشبه بالعضلة، يضمر بالإهمال ويقوى بالتمرين. وكلّما طال نَفَسُ انتباهك، ازددتَ قدرةً على الإبداع وحلّ المشكلات، وقلّ احتمال إصابتك بالإرهاق.

فحدّد لنفسك نوافذ «صيامٍ رقميّ»: ساعةً أو يوماً تُطفئ فيه هاتفك أو تُبعده عن متناول يدك، وتلتزم خلالها بلا شاشات. وهيّئ «ركن قراءة»: مقعداً مريحاً قرب نافذة، بعيداً عن الضجيج، فتُحيل القراءة طقساً للمتعة لا واجباً ثقيلاً. وضع أهدافاً صغيرة بدل المطالب المُرهِقة؛ فخمس صفحاتٍ تُتبعها مكافأة صغيرة خيرٌ من خمسين صفحة تُثقلك باليأس، إذ تقود سلسلة الانتصارات الصغيرة إلى انتصاراتٍ أكبر. وأخيراً، فإنّ المساءلة حاسمة: اختر رفيقاً للقراءة، أو ناديَ كتابٍ تناقشون فيه عنواناً واحداً أسبوعياً، فالضغط الاجتماعي اللطيف يدفعك إلى مواصلة الصفحات حين كنتَ على وشك التوقّف.

خلاصة

صحيحٌ أنّ التقنية غيّرت طريقة استهلاكنا للمعرفة، وأنّ الذكاء الاصطناعي قادرٌ على تقطير المعلومة في نقاطٍ سريعة. لكن يبقى في ترك أفكار الكاتب تتسلّل إلى عقلك وتتشرّبها ببطء، صفحةً بعد صفحة، سحرٌ خاصّ لا تمنحه الملخّصات؛ لا سيّما حين يحمل الكاتب رؤيةً تُثري حياتك على نحوٍ يعجز عنه أيّ تلخيص. وفي عالمٍ لا يكفّ عن المطالبة بالأسرع والأقصر والأكثر، قد تكون الخطوة الأقوى، ببساطة، أن نتمهّل.

شارك هذا المقال

→ المقال التالي المقال السابق ←

التعليقات (0)

تعليقات