مراجعة فيلم الغرف الخلفية (Backrooms) — بدون حرق

 

ملصق فيلم «الغرف الخلفية» (Backrooms) — إنتاج A24، 2026.



مراجعة فيلم «الغرف الخلفية» (Backrooms) 

«الغرف الخلفية» (Backrooms) من إخراج "كاين بارسونز"، وإنتاج استوديو A24، هو مقتبَسٌ عن ظاهرة إنترنت شهيرة، من بطولة "تشيويتل إيجيوفور" و"ريناته راينسفه". تدور أحداثه حول معالِجةٍ نفسية يختفي أحد مرضاها في بُعدٍ يقع وراء حدود الواقع، فتضطرّ إلى المغامرة في المجهول لإنقاذه.

ظاهرة «الغرف الخلفية»، بوصفها أسطورةً من أساطير الإنترنت، وُلدت على منتدى 4chan؛ إذ نُشرت صورةٌ لمجموعةٍ من الغرف بالغة الإثارة للقلق، فأطلقت هذه الظاهرة برمّتها، وبدأ الناس يتحدّثون عن وجودهم هناك ويتبادلون القصص عنها.

حيث بدأ كل شيء… الصورة التي أطلقت ظاهرة الغرف الخلفية على منتدى فورتشان.

أخرج "كاين بارسونز" سلسلة أفلامٍ قصيرة معروفةً جدًّا على يوتيوب لاقت رواجًا واسعًا، وها هو الآن يحظى بفرصة أن يكون من أصغر صنّاع الأفلام سنًّا على الإطلاق ممّن أخرجوا فيلمًا روائيًّا طويلًا يُعرض في دور السينما.

كنتُ أعرف الإحساس العام والفكرة الكامنة وراء «الغرف الخلفية»، لكنّ هذا كلّه كان جديدًا تمامًا بالنسبة إليّ، وقد وجدتُه مُرعبًا على نحوٍ استثنائي ومُصوَّرًا ببراعةٍ عالية. للفيلم كلّه طريقةٌ بارعة في إبقائك مضطربًا طوال مدّة العرض، لأنّ الفكرة العامة لـ«الغرف الخلفية» هي أنّ شخصية "تشيويتل إيجيوفور"، حين تجد نفسها هناك، ينتابها إحساسٌ بالحنين والشوق، وكأنّها تعيش شعورًا سبق أن عرفته (déjà vu) ، أو كأنّ شيئًا في المكان يتّصل بها ويلامس أعماقها. فالمكان يمنحها شيئًا من الأمان، وكأنّ همومها لم تعد ذات أهمية، ويغريها بالانزلاق إلى حالةٍ من النشوة. وأنت تلمس هذا الأثر فعلًا على مدار الفيلم، خصوصًا حين تنغمس الشخصية فيما يجري هناك، إذ يمكنك أن ترى وقعه فيها بوضوح.

وهناك أفلامٌ كثيرة يجعل فيها مكانٌ ما — مبنًى أو غرفة — المرءَ يشعر بأنّه ينتمي إليه، سواءٌ أكان فيلم «1408» أم «البريق» (The Shining). لكنّ هذا الفيلم يبدو مميّزًا جدًّا في كون عمارته فريدةً إلى حدٍّ يجعلك تدرك أنّ الغرف لا تخضع لأيّ منطق. ثمّة بُنًى داخل الغرف ما كان ينبغي لها أن تكون موجودة: أكوامٌ من الملابس، وأكوامٌ من الأثاث. هناك شيءٌ لا يستقيم. والغرف تتوالى بلا نهاية، تمتدّ وتمتدّ. إنه رعب «الأماكن الانتقالية العتبية» الذي بات رائجًا جدًّا على الإنترنت في عالم «الكريبي باستا»، وقد نُفِّذ هنا بفاعليةٍ شديدة.

من الواضح أنّ المخرج "كاين" يملك عينًا مبدعة، ومدير تصويره « جيريمي كوكس»  يقوم بدوره بعملٍ رائع، أمّا ممثّلوه فبارعون كذلك. "تشيويتل إيجيوفور"  جيّدٌ إلى حدٍّ بعيد هنا؛ فهو يجسّد بصدقٍ ذلك الإنسان الذي يفقد صوابه شيئًا فشيئًا. وفي كلّ مرّة يتحدّث فيها عمّا يعيشه هناك، وكذلك عمّا عاشه خارج «الغرف الخلفية»، تشعر أنّك تشاهد رجلًا على حافّة الانهيار. وهذا كلّه قبل أن يعثر على تلك السلسلة الخفيّة من الغرف في متجر الأثاث الذي يملكه. تُدرك — حتى قبل ذلك كلّه — أنّ هذا الرجل لا يحتاج إلا إلى دفعةٍ صغيرة كي يسقط عن الحافّة، وما يحدث له في الأسفل يزيد الأمر سوءًا.

"ريناته راينسفه" استثنائيةٌ أيضًا هنا؛ فهي تؤدّي دور معالِجةٍ نفسية رزينة تعمل معه منذ زمنٍ طويل. وحين يبدأ يحدّثها عن الأشياء التي وجدها تحت متجر الأثاث، فإنّ أيّ معالِجٍ — بطبيعة الحال — سيقول في نفسه: «حسنًا، أمامي عملٌ شاقّ». لكنّها ما إن تبدأ في اختبار هذه الأشياء بنفسها حتى تجد نفسها مضطرّةً إلى مواجهة كلّ ما بنته من علمٍ وقناعاتٍ حول الدماغ البشري وكيفية تفسيرنا للمشاعر؛ إذ يتبدّد ذلك كلّه ويتلاشى.

كذلك فإنّ الموسيقى التصويرية رائعة، وقد وجدتُها مرعبةً إلى أقصى حدّ.

إن كنتَ تحبّ نوع الرعب الهادئ الخفيّ، ذاك الذي يتسلّل تحت جلدك ,فأظنّ أنّ «الغرف الخلفية» سيكون على مقاسك تمامًا.

شارك هذا المقال

→ المقال التالي المقال السابق ←

التعليقات (0)

تعليقات