من هو تيري ديفيس؟

 

 


يُذكَر تيري أ. ديفيس بوصفه واحدًا من أكثر الشخصيات إثارةً للدهشة ومأساويةً في عالم الحوسبة الحديثة؛ مبرمجٌ يمتلك موهبةً نادرة تكاد تكون مُربِكة، غير أنّ حياته انتهت أسيرةً لمرضٍ نفسيّ حاد. رآه بعضهم عبقريًّا يضاهي أعظم مهندسي البرمجيات في جيله، بينما تحوّل عند آخرين إلى أسطورةٍ على الإنترنت، ومادّةٍ ساخرة رائجة (ميم)، وعبرةٍ للاعتبار. تقف قصّته عند تقاطعٍ مُقلِق بين النبوغ والإيمان والجنون وثقافة الإنترنت الغريبة التي تبنّته.

عقلٌ موهوب

وُلد ديفيس في ديسمبر 1969 في مدينة ويست أليس بولاية ويسكونسن الأمريكية. ظهرت موهبته مبكرًا؛ فمن خلال برنامجٍ للطلبة الموهوبين في المرحلة الابتدائية أُتيح له العمل على حاسوب «آبل II»، وهي تجربةٌ فتحت الباب أمام هوسٍ رافقه طوال حياته. وفي سنّ المراهقة علّم نفسه لغة التجميع (Assembly) على جهاز «كومودور 64»، وهي مهارةٌ منخفضة المستوى وصعبة يتجنّبها كثيرٌ من المبرمجين المحترفين أنفسهم.

واصل ديفيس دراسته في الهندسة الكهربائية، وتخرّج من جامعة ولاية أريزونا عام 1994 حاملًا شهادة الماجستير. وخلال سنوات دراسته الجامعية ولفترةٍ وجيزة بعدها عمل لدى شركة «تيكت ماستر». وبكلّ المقاييس الظاهرية كان يسير في طريقٍ واعد، حتى إنّ بعض من عرفوا قدراته رأوا أنّه كان مؤهّلًا ليصبح «ستيف جوبز» التالي. غير أنّ حياته سلكت مسارًا مختلفًا تمامًا.

بداية المرض

في عام 1996 أُدخل ديفيس جناحًا للأمراض النفسية للمرة الأولى، بعد أن بدأت تنتابه أوهامٌ تدور حول كائناتٍ فضائية ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، وهو الهاجس الذي لم يفارقه بعد ذلك أبدًا. وفي وقتٍ لاحق وصف في مقالٍ لمجلة «فايس» حمل عنوان «مبرمج الله الوحيد» بدايةَ انهياره؛ إذ قال إنّه صار يرى رجالًا ببدلاتٍ رسمية يبدو أنّهم يتعقّبونه أينما ذهب، موقنًا بأنّ أمرًا غريبًا يجري من حوله.

دفعه ذلك الوهم إلى الفرار. فقد ترك سيّارته في الصحراء بعد أن تيقّن من أنّ المذياع يحاول التواصل معه، ثمّ راح يهيم على الطريق حتى التقطه شرطيّ. وفي نوبة هلع قفز من سيّارة الشرطة وهي تسير فانكسرت تُرقوته. وفي المستشفى سمع الأطباء يتحدّثون عن «آثار» (artifacts) في صور الأشعّة، وهو مصطلحٌ طبّيّ روتيني، لكنّه فسّرها على أنّها «آثار فضائية» ففرّ من جديد، ليُلقى القبض عليه بعد محاولته اختطاف شاحنة. وأثناء احتجازه حاول إحداث دائرة قصرٍ كهربائية في باب زنزانته بدسّ إطار نظّارته في مقبس الكهرباء، لكنّ المحاولة باءت بالفشل لأنّ الإطار كان غير موصلٍ للكهرباء. ثمّ أُودع مستشفًى للأمراض العقلية مدّة أسبوعين.

وفي الفترة بين عامَي 1996 و2003 كان ديفيس يمرّ بنوباتٍ هوسية كهذه كلّ ستّة أشهرٍ تقريبًا، وشُخِّصت حالته في النهاية بالفصام (الشيزوفرينيا). أمّا القناعة بأنّ عملاء فيدراليين يلاحقونه فقد ظلّت تطارده بقيّة حياته.

المعبد: نظام TempleOS

في مطلع الألفية الجديدة تقريبًا شرع ديفيس في المشروع الذي سيصبح عنوانًا له. كان يؤمن بأنّ الله أمره ببناء خليفةٍ لـ«الهيكل الثاني» لا من الحجر بل من البرمجيات. وكانت الثمرة نظام التشغيل TempleOS (نظام المعبد) الذي كتبه بمفرده على مدى عقدٍ كامل.

قال ديفيس إنّ الله أعطاه مواصفاتٍ دقيقة: دقّة شاشة 640×480، وألوانًا بعمق 16 بت، وصوتًا سمعيًّا واحدًا. ولإنجاز ذلك ابتكر لغة برمجةٍ خاصّة به أسماها «هولي سي» (HolyC)، وهي مزيجٌ مُعدَّل من لغتَي C وC++. وكان يعتقد أنّ الله يخاطبه عبر مجموعاتٍ من الكلمات تُولَّد عشوائيًّا يستخلص منها المعنى والإرشاد، إيمانًا منه بأنّ المقدّس يتجلّى في العشوائية.

وحين اكتمل النظام بلغ نحو 121,000 سطرٍ من الشيفرة البرمجية، وضمّ ألعابًا متعدّدة، وأداةً لتأليف الموسيقى، بل ومحاكيًا للطيران، إلى جانب برامج مستوحاة من الكتاب المقدّس. ويصعب التقليل من شأن هذا الإنجاز؛ فنظام تشغيلٍ تجاري مثل «ويندوز 7» عمل عليه آلاف الأشخاص طوال سنوات، أمّا TempleOS فكان عمل رجلٍ واحد. وقد شبّهه أحد مهندسي الحاسوب ببناء ناطحة سحابٍ يدويًّا على يد شخصٍ منفرد، وهو يُعدّ على الأرجح من أعقد البرمجيات التي كتبها مطوّرٌ واحد على الإطلاق.

قابل النقّاد عمله بمزيجٍ من الاحترام والإعجاب. فقد رحّب محرّرٌ في موقع «OSnews» ببقاء مشاريع كـTempleOS، معتبرًا إيّاها دليلًا على أنّ الحوسبة ما زالت قادرةً على أن تكون هوايةً حقيقية لا مجرّد عملٍ صارم. أمّا كاتب «فايس» جيسي هيكس فقد ختم بورتريهه عن ديفيس بوصفه رجلًا شيّد معبدًا لإلهٍ لا يحدّث سواه، وما زال ينتظر أن يُصغي إليه بقيّة العالم.

أسطورةٌ على الإنترنت

غير أنّ شهرة ديفيس لم تأتِ من تعقيد عمله بقدر ما جاءت من طريقة عيشه حياته على الإنترنت. ففي إحدى تدويناته زعم أنّ TempleOS جرى تنزيله عشرة آلاف مرّة خلال ثلاث سنوات، مضيفًا في الوقت نفسه — وبنبرةٍ مقلقة — أنّه لا يوجد دليلٌ على أنّ أحدًا قد ثبّته فعلًا، وأنّه محتجزٌ في «سجنٍ تابع للـCIA». عباراتٌ كهذه، كانت بوضوحٍ من نتاج مرضه، هي ما حوّله إلى مادّةٍ ساخرة (ميم) على الإنترنت.

كان ينشر مقاطع فيديو يوثّق فيها حياته (فلوغ) ويبثّ مباشرةً بانتظام على «يوتيوب»، متحدّثًا عن علوم الحاسوب وموثّقًا في الوقت ذاته تفاصيل حياته اليومية المضطربة. وكانت بثوثه مزيجًا صادمًا من معرفةٍ تقنية مبهرة حقًّا ومن شتائم عنصرية ومعادية للمثليّين تتكرّر باستمرار، ما جعله شخصيةً مثيرةً للجدل ومحبوبةً في آنٍ لدى المبرمجين. وقد شوهدت مقاطع من انفعالاته الكلامية ملايين المرّات على «يوتيوب» و«تيك توك»، وتناولت نظامَه TempleOS قنواتٌ تقنية كبرى مثل Fireship وLinus Tech Tips.

نهايةٌ مأساوية

منذ بداية مرضه عام 1996 وحتى عام 2017 عاش ديفيس مع والدَيه في لاس فيغاس معتمدًا على مخصّصات الضمان الاجتماعي. وعندما رفض تناول دوائه وضعه والداه أمام خيارَين: إمّا الدواء وإمّا مغادرة المنزل، فاختار الرحيل. انتقل للعيش في شاحنةٍ صغيرة (فان)، واستمرّ في نشر مقاطعه معتمدًا على الإنترنت من مكتبةٍ عامّة، متعيّشًا على ما يجلبه له معجبوه من طعامٍ ومؤن. وعرض عليه بعضهم مأوًى فرفضه.

في أغسطس 2018 نشر مقطعه الأخير. وبعد ذلك بوقتٍ قصير أوردت صحيفةٌ في مدينة «ذا دالز» بولاية أوريغون خبرًا عن رجلٍ بلا مأوى مجهول الهوية صدمه قطار. وانهال المعجبون القلقون بالاتصالات على مراسلة الصحيفة يسألون إن كان الرجل هو ديفيس، فأكّدت الصحيفة لاحقًا أنّه هو. ففي مساء 11 أغسطس 2018 كان ديفيس يسير على سكّة الحديد وظهره نحو قطارٍ قادم تابع لشركة «يونيون باسيفيك»، ولم يلتفت إلّا في اللحظة الأخيرة. ولم يتمكّن المحقّقون من الجزم بما إذا كانت وفاته حادثًا عرضيًّا أم فعلًا مقصودًا، وإن كان سائق القطار يعتقد أنّه كان على القضبان عن عمد.

نظرية المؤامرة: هل قتلته الاستخبارات الأمريكية؟

لم تمرّ نهاية ديفيس الغامضة بهدوءٍ في أوساط جمهوره على الإنترنت. فبالنسبة إلى كثيرٍ من متابعيه، بدا موتُ رجلٍ أمضى أكثر من عقدَين مقتنعًا بأنّ وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) تلاحقه — ثمّ لقي حتفه وحيدًا على سكّة حديدٍ في ظروفٍ لم يُحسَم فيها إن كانت حادثًا أم انتحارًا — أمرًا «لا معنى له». ومن رحم هذه المفارقة القاتمة راجت على منتديات الإنترنت ومقاطع «يوتيوب» نظريةُ مؤامرةٍ مفادها أنّ ديفيس لم يمُت مصادفةً، بل أنّ الجهة نفسها التي طالما زعم أنّها تطارده هي من أنهت حياته.

غير أنّه لا يوجد أيّ دليلٍ يسند هذه الرواية؛ فتقرير الشرطة اكتفى بالإقرار بتعذّر الجزم بين الحادث والانتحار، ولم تُشِر أيّ جهةٍ رسمية إلى شبهةٍ جنائية. والأرجح أنّ النظرية ليست ادّعاءً جادًّا بقدر ما هي خليطٌ من الحزن والسخرية السوداء والتعلّق الأسطوري بشخصيةٍ نسج حولها جمهورُها ما يشبه الفولكلور الرقمي. لقد ورث المتابعون هواجس ديفيس نفسها: فالرجل الذي رأى العملاء يطاردونه طوال حياته، غدا موتُه ذاته — في عيون بعضهم — الدليلَ الأخير على أنّ أولئك العملاء كانوا حقيقيّين. وهكذا حوّل الإنترنت مأساة مريضٍ إلى أسطورة.

 تيري ديفيس يتلقى مكالمة غامضة أثناء تسجيله لفيديو:



إرثه

بعد انتشار خبر وفاته، كرّمه معجبوه بمقاطع تأبينٍ عديدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها عزفٌ على البيانو لمقطوعاتٍ موسيقية كانت مضمّنةً في نظام تشغيله. ويبقى تيري ديفيس شخصيةً مثيرةً للانقسام حقًّا؛ مسيئًا ومتقلّبًا، لكن لا يمكن إنكار نبوغه. ولعلّه هو نفسه من لخّص إرثه على أفضل وجهٍ حين تخيّل، في مقابلته مع «فايس»، كيف سيتذكّره العالم:

«ما سيقرؤه الناس هو أنّه ذلك الفصاميّ البائس الذي صنع نظام تشغيلٍ رديئًا. أمّا من وجهة نظري، فإنّ الله قال إنّي بنيتُ معبده.»

شارك هذا المقال

→ المقال التالي المقال السابق ←

التعليقات (0)

تعليقات