حسن طهراني مقدم: عرّاب الترسانة البالستية الإيرانية

 

 

  




رجلٌ ونقيشة

يوم 12 نوفمبر 2011، اغتيل حسن طهراني مقدم في انفجارٍ ضخم بقاعدة «مدرّس» قرب مدينة ملارد، غربي طهران. قُتل معه ستة عشر من عناصر الحرس الثوري. نفت طهران رسمياً أيّ عمل تخريبي وقالت إنّه حادث. لكنّ تقارير غربية، منها مجلة «تايم»، نسبت العملية إلى الموساد.

على قبره في مقبرة «بهشت زهرا» جملةٌ طلب هو أن تُكتب: «هنا يرقد مَن أراد تدمير إسرائيل».

كان في الثانية والخمسين. وكان الرجل الذي أشرف، من الصفر، على بناء أضخم ترسانة صاروخية في الشرق الأوسط.

ضابطٌ في حربٍ بلا صواريخ

وُلد سنة 1959 في حيّ «سرچشمه» بوسط طهران. التحق بالحرس الثوري وهو في الحادية والعشرين. لم يكن مهندس صواريخ. كان ضابطاً لاحظ أمراً بسيطاً: الجيش الإيراني لا يملك ناراً بعيدة المدى.

سنة 1981 رفع مقترحاً إلى حسن باقري، رئيس استخبارات الحرس. على أساسه تأسّس سلاح مدفعية الحرس ومركز أبحاث المدفعية في الأهواز.

ثم جاءت «حرب المدن». كان صدّام حسين يقصف المدن الإيرانية بالصواريخ الباليستية، وطهران لا تملك ما تردّ به. سلاحها الجوّي أمريكي الصنع، والحظر خنقه: قطع غيار مفقودة، ومقاتلات تُفكَّك ليطير غيرها.

لم يكن الشراء ممكناً. لم يكن أحدٌ يبيع. من هنا وُلدت الفكرة كلّها.

الإشراف على المشروع

كُلِّف طهراني مقدم ببناء وحدة صاروخية من العدم. قال، كما تروي سيرته، إنّ المدفعية سهلة أمّا الصواريخ فمعقّدة، وإنّه يرجو أن يُعينه الله. سنة 1984 أُرسل مع نحو اثني عشر ضابطاً إلى سوريا للتدرّب على صاروخ «سكود-B» السوفياتي. وحين حاول العقيد القذافي المساومة السياسية على صفقة الصواريخ الليبية، لم يبقَ أمام الإيرانيين إلا حلٌّ واحد: أن يفهموا المنظومة بأنفسهم، ويعيدوا بناءها بأيديهم.

في مارس 1985 أُطلق أول صاروخ إيراني على كركوك. ثم تلته ضربات على بغداد. لم يكن ذلك نصراً عسكرياً حاسماً. كان إعلاناً: الدولة التي لا تملك سلاح جوّ تستطيع أن تصل إلى عمق عدوّها.

من الاستيراد إلى الصناعة

انتهت الحرب سنة 1988 وإيران تملك صواريخ مستوردة لا يتجاوز مداها ثلاثمئة كيلومتر. هنا بدأ العمل الحقيقي.

بالهندسة العكسية لصاروخ «سكود-B» أُنتج «شهاب-1»، ثم «شهاب-2»، ثم عائلة «زلزال». وبالإفادة من تصاميم كورية شمالية ظهر «شهاب-3» بمدى تجاوز 1300 كيلومتر، ثم «قدر». هذا الرقم وحده نقل الترسانة الإيرانية من سلاحٍ تكتيكي إلى سلاحٍ استراتيجي.

ثم جاءت قفزته الكبرى: الانتقال من الوقود السائل إلى الوقود الصلب. الصاروخ السائل يحتاج ساعات من التزويد قبل الإطلاق، يقف خلالها مكشوفاً لأقمار التجسّس وللضربة الاستباقية. أمّا الصلب فيُخزَّن جاهزاً ويُطلَق في دقائق. الفارق هو الفارق بين ترسانةٍ تُدمَّر على منصّتها وترسانةٍ تنجو لتردّ. من هذا الباب دخل «سجّيل»، وعليه بُنيت لاحقاً «مدن الصواريخ» المحفورة في جبال زاغروس والبرز.

في ديسمبر 2006 عُيِّن رئيساً لـ«منظمة الاكتفاء الذاتي» في الحرس الثوري، ومستشاراً صاروخياً للقيادة. وأشرف — بحسب روايات إيرانية ولبنانية — على تأسيس النواة الصاروخية لحزب الله في الثمانينيات. ودرّب جيلاً كاملاً من الضبّاط تولّى القيادة بعده، في مقدّمتهم أميرعلي حاجي‌زاده، قائد القوة الجوفضائية للحرس حتى مقتله في جوان 2025.

حين اغتيل سنة 2011، توقّع كثيرون أن ينهار المشروع. لم ينهر. لأنّ الرجل لم يكن يبني صواريخ، بل يبني مَن يبنيها.

" لم يكن يبني صواريخ. كان يبني مَن يبنيها "

الصانع لا المشتري

هنا تظهر المقارنة التي يتجنّبها الإعلام العربي الرسمي.

أنفقت دول الخليج، عبر ثلاثة عقود، مئات المليارات على أحدث ما أنتجه الغرب: «باتريوت» و«ثاد» ومقاتلات «إف-15» و«رافال» و«تايفون». اشترت عتاداً حقيقياً بأرقامٍ خيالية. لكنّها اشترت منتَجاً نهائياً، لا القدرةَ على صنعه.

والفرق ليس تفصيلاً محاسبياً. المشتري يرتهن لسلسلة إمدادٍ أجنبية، ولقطع غيارٍ خاضعة لتراخيص تصدير، ولقيودٍ على الاستخدام النهائي، ولفيتو سياسيّ صامت في يد المورِّد. أمّا الصانع فيملك قراره.

إيران، تحت واحدٍ من أقسى أنظمة العقوبات في التاريخ الحديث، بنت قاعدة صناعية عسكرية محلّية تُنتج، وتُطوّر، وتعوّض خسائرها. والخليج، بكلّ ثروته، لم يبنِ مصنعاً واحداً قادراً على إنتاج منظومة اعتراض من الصفر.

الحصار الذي صنع القوّة

هذه هي النقطة التي يغفل عنها كلّ من يقرأ إيران بعين العقوبات وحدها.

لأربعة عقود، عاشت إيران وهي تشعر أنّ العالم كلّه في صفٍّ واحد ضدّها: حظرٌ على السلاح، وحظرٌ على المصارف، وحظرٌ على النفط، وحظرٌ على قطع الغيار حتى في الطيران المدني. لم يكن أمامها بابٌ واحد مفتوح. ومع ذلك، لم تستسلم.

وفعلت ما تفعله الأمم حين تُحاصَر: تعلّمت أن تصنع. صنعت صواريخها، وطائراتها المسيّرة، ومنظوماتها الدفاعية، وأقمارها الصناعية. لم يكن ما صنعته الأفضل في العالم دائماً، لكنّه كان لها. لا أحد يستطيع أن يوقف خطّ إنتاجه، ولا أن يمنع عنه قطعة غيار، ولا أن يقول له متى يُطلق ومتى يصمت.

الحصار الذي قُصد به خنق إيران هو نفسه الذي علّمها الاكتفاء. وهذا هو الدرس الذي دفع طهراني مقدم ثمنه من حياته.

الامتحان: 2026

في 28 فيفري 2026 بدأت حملة أمريكية-إسرائيلية أعلنت هدفها صراحة: «تسوية الصناعة الصاروخية الإيرانية بالأرض». قُتل المرشد علي خامنئي في الضربة الأولى. وتوالت أسابيع من القصف المتواصل، بأكبر حشدٍ جوّي وبحريّ أمريكي في المنطقة منذ غزو العراق سنة 2003.

لم تنكسر إيران.

اخترقت صواريخُها دفاعاتٍ متعدّدة الطبقات. عملت منصّاتها المتنقّلة وشبكات أنفاقها بما يكفي لإبقاء وتيرة الإطلاق مستمرّة. ورصدت صور الأقمار الصناعية إيرانيين يُخرجون منصّاتهم من تحت الركام في غضون ساعات. أعلن مسؤولون أمريكيون تدمير أكثر من 85% من القاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية، فيما قدّرت تقارير استخبارية مسرَّبة بقاء نحو 70% من المخزون الصاروخي. الرقم الحقيقي لا يعرفه أحد خارج غرف الاستخبارات، ولكلا الطرفين مصلحة في المبالغة.

لكنّ المعيار العمليّ واضح: منظومةٌ صُمِّمت لتنجو من الضربة الأولى — نجت منها. أُعلن وقفٌ لإطلاق النار في أفريل، ثم وُقِّعت مذكّرة تفاهم في جوان. وفي 8 جويلية 2026 أعلن الرئيس الأمريكي أنّ وقف إطلاق النار «انتهى»، واستأنفت واشنطن ضرباتها، وردّ الحرس الثوري على قواعد أمريكية في الخليج. الحرب، إلى اليوم، لم تنتهِ.

وإيران، إلى اليوم، لا تزال تُطلق. وهذا اختبارٌ لم تخضه أيّ دولة خليجية قط: أن تُقصَف قاعدتُك الصناعية أربعة أشهر، ويُقتَل قائدُك الأعلى، وتظلّ قادراً على الردّ بما صنعتَه بيديك.

الخاتمة

لم يمنح أحدٌ حسن طهراني مقدم تكنولوجيا. لم يبعه أحدٌ مصنعاً. أخذ ما استطاع، وفكّكه، وأعاد بناءه، ثمّ علّم غيره كيف يفعل. بدأ ضابطاً يحسب مدى قذيفة هاون، وانتهى بدولةٍ تُحسب لها حسابات الأساطيل.

النقيشة على قبره تُقرأ في طهران كوصية، وتُقرأ في مكانٍ آخر كتهديد. لكنّ أهمّ ما تقوله أبسط من هذا وذاك: أنّ الأمّة التي تصنع سلاحها تكتب شروطها بنفسها، والأمّة التي تشتريه تقرأ شروط غيرها.

شارك هذا المقال

المقال السابق ←

التعليقات (0)

تعليقات