حين تناول المفكّر عبد الوهاب المسيري ظاهرة الحركة النسوية في العالم العربي، لم يقرأها بوصفها مطلبًا محلّيًّا خالصًا نبت من تربة المجتمع وحده، بل وضعها داخل سياقٍ أوسع؛ سياقِ صراعٍ حضاريّ طويل. فقد لفت إلى الدعم القويّ الذي تجده هذه الحركات من العالم الغربي، ذلك الغرب الذي أدرك — بعد إخفاق المواجهة العسكرية المباشرة مع مجتمعات العالم الثالث — أنّ الحرب مكلفةٌ طويلةٌ لا طاقة له بها، فاهتدى إلى أنّ أنجع وسائل الإخضاع ليست الغزو، بل التفكيك: تفكيك البُنى التي تمنح تلك المجتمعات تماسكها ومناعتها من الداخل.
الأسرة بوصفها آخر الحصون
وفي قلب هذه البُنى تقف الأسرة. فهي — كما يرى المسيري — القناة التي تنتقل عبرها المنظومة القيمية والذاكرة التاريخية والخصوصية الثقافية من جيلٍ إلى جيل. وما دامت الأسرة قائمةً متماسكة، ظلّ المجتمع قادرًا على حفظ هويّته وقيمه ومقاومة الذوبان. ولمّا كانت الأمّ هي عمود هذه الأسرة والعمادَ الذي يقوم عليه بناؤها، صارت إعادة تعريف المرأة هي المدخل الأذكى لزعزعة الحصن كلّه دون أن تُطلق رصاصةٌ واحدة. يكفي أن تنسحب اللبنة الأولى حتى يتصدّع الجدار.
«الخطاب المتمركز حول الأنثى هو خطابٌ تفكيكيّ.» — عبد الوهاب المسيري
والخطاب الذي يصفه المسيري لا يُعلن عداءه للأسرة صراحةً — فذلك أخرقُ من أن يُقنع أحدًا — بل يعمل بأدواتٍ أنعم وأشدّ أثرًا: توليدُ قلقٍ دائمٍ وضجرٍ في نفس المرأة تجاه دورها داخل البيت، وتصويرُ الأمومة والزواج قيدًا يُنقِص من «تحقّق الذات»، وربطُ الكرامة والقيمة حصرًا بالحضور والإنجاز خارج إطار الأسرة. وحين تنسحب المرأة أوّلًا في وعيها، ثمّ فعليًّا من مركز الأسرة، تبدأ اللبنة الأولى في التآكل، ويتهاوى معها أحد أهمّ حصون المجتمع في وجه التغلغل والهيمنة.
حين تنطق الأرقام: الخصوبة تتراجع
ولا يبقى هذا التحليل معلّقًا في فضاء النظر وحده؛ فالأرقام ترسم مشهدًا يستحقّ التوقّف. ففي سنة 2024 هبط معدّل الخصوبة في تونس إلى 1.53 مولودًا لكلّ امرأة، وفي المغرب إلى 1.97، وفي الجزائر إلى 2.61، وفق دراسةٍ للمعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديموغرافية — أي دون عتبة تجديد الأجيال في بلدين من الثلاثة، بعد أن كانت هذه المجتمعات تُنجب نحو سبعة أطفال لكلّ امرأة في سبعينيات القرن الماضي. وسجّلت تونس وحدها تراجعًا في الولادات بنحو 10% خلال سنةٍ واحدة: من 147,242 مولودًا سنة 2023 إلى 133,322 سنة 2024، حسب المعهد الوطني للإحصاء.
وليست شمال إفريقيا استثناءً. ففي السعودية هبط عدد المواليد من 465 ألفًا سنة 2017 إلى 417 ألفًا سنة 2022، وتراجع معدّل الولادات من 44 لكلّ ألف نسمة سنة 1980 إلى 16 فقط سنة 2023. وفي لبنان انهارت الولادات بنسبة 39.8% بين 2020 و2023. مجتمعاتٌ كانت تُعدّ قبل جيلٍ واحد من أعلى العالم إنجابًا، تدخل اليوم طور الشيخوخة المبكّرة، قبل أن تبلغ الرفاه الذي بلغته أوروبا حين شاخت.
والطلاق يصعد بلا هوادة
وفي الاتّجاه نفسه يمضي منحنى الطلاق، لكن صاعدًا هذه المرّة. ففي مصر سُجّلت نحو 274 ألف حالة طلاق سنة 2024، بارتفاعٍ نسبته 3.1% عن السنة السابقة، بعد أن كان العدد 149,400 حالة فقط سنة 2010؛ أي حالة طلاقٍ كلّ 117 ثانية. وفي تونس ارتفعت نسبة المطلّقات من 1.5% سنة 2004 إلى 2.8% سنة 2024، ونسبة المطلّقين من 0.5% إلى 1.4%، وتسجّل البلاد اليوم أكثر من 14 ألف حالة طلاق سنويًّا. وعلى مستوى المنطقة، تشير دراسةٌ لمركز المعلومات ودعم اتّخاذ القرار المصري إلى أنّ 48% من الزيجات في الكويت تنتهي بالطلاق، و40% في مصر، و37.2% في الأردن، و37% في قطر، و34% في كلٍّ من الإمارات ولبنان.
الكلفة التي لا تظهر في الميزانيات
خلف كلّ رقمٍ من هذه الأرقام طفل. ففي تونس وحدها بلغ عدد «أطفال الطلاق» نحو 600 ألف طفل بين يناير 2023 وديسمبر 2024. وحين تتراجع الخصوبة ويتصاعد الطلاق في آنٍ واحد، لا تخسر المجتمعات أعدادًا فحسب؛ بل تخسر القناة التي كانت تنقل عبرها اللغةَ والدين والذاكرة والعادة. ينقلب الهرم السكّاني، ويعطش سوق العمل إلى اليد العاملة، وتُستدرج الدولة إلى استيراد البشر لسدّ الفراغ — وهو ما بدأت تونس والمغرب تلمسانه فعلًا، بعد عقودٍ من تصدير المهاجرين لا استقبالهم. هذه هي الكلفة الحضارية التي لا تُقيَّد في دفترٍ ولا تُحصى في ميزانية.
لكن… هل النسوية وحدها المتّهمة؟
الأمانة التحليلية تقتضي الاعتراف بأنّ الجواب: لا. فالبطالة، وغلاء السكن، وتأخّر سنّ الزواج، والتمدّن السريع، وانتقال الأسرة من شكلها الممتدّ إلى النووي — كلّها عواملُ موثّقة تدفع في الاتّجاه نفسه، وقد تراجعت الخصوبة في مجتمعاتٍ لم تعرف حركةً نسويّةً منظّمة أصلًا. ثمّ إنّ تيسير الطلاق أنقذ نساءً كثيراتٍ من زيجاتٍ قاتلة؛ ففي تونس شكّل العنف الزوجي 76% من مجمل أشكال العنف المسلّط على النساء وفق أرقامٍ رسميّة. ومن يتجاهل هذا الوجه من الصورة يبني حجّته على رمل.
غير أنّ الاعتراف بتعدّد الأسباب لا يُبطل الحجّة، بل يُدقّقها. فالضغوط الاقتصادية موجودةٌ في كلّ زمانٍ ومكان، لكنّها لا تُترجَم إلى انسحابٍ جماعيّ من الأسرة إلّا حين يتوفّر خطابٌ يمنح الانسحاب معناه ويزكّيه: خطابٌ يعيد تسمية العزوف «حرّية»، والأمومة «تضحيةً بلا مقابل»، والرابطة الزوجية «عقدَ شراكةٍ» يُفسخ عند أوّل خسارة. الاقتصاد يصنع الضغط، أمّا الخطاب فهو الذي يحدّد أين ينكسر الجدار. وهنا يبقى تحليل المسيري صالحًا: ليست المسألة أنّ النسوية سبب كلّ شيء، بل أنّها قدّمت للتحوّل لغتَه وشرعيّته.
خلاصة: من يملك حقّ تعريفنا؟
ليست الدعوة هنا إلى ردّ المرأة إلى ما وراء الجدار، ولا إلى إنكار مظلمةٍ واقعة، ولا إلى تحصين الأسرة من النقد. الدعوة إلى أن نستعيد وعينا بأنّ الأسرة ليست عبئًا نتحرّر منه، بل هي البنية التي منحت مجتمعاتنا مناعتها قرونًا طويلة. وأنّ إنصاف المرأة ممكنٌ من داخل هذه البنية لا ضدّها؛ بأدواتٍ نصوغها نحن، ومقاييسَ من ثقافتنا، لا بمشروعٍ يُموَّل من خارجنا ويُقاس بمقاييسَ ليست مقاييسنا. فحين يُترك تعريفُ المرأة لمن يريد تفكيك مجتمعها، لا تربح المرأة، ولا يربح المجتمع. ويبقى السؤال الذي طرحه المسيري قائمًا، معلّقًا فوق رؤوسنا جميعًا: من يملك حقّ تعريفنا؟

التعليقات (0)
تعليقات
إرسال تعليق