جبل "بيكاكس": الحصن النووي الإيراني الذي تتحدى أعماقه أقوى قنابل واشنطن

 

صورة جوية لجبل "بيكاكس"

تحليل البصيرة

في خضم الحرب الإيرانية الأمريكية المستمرة منذ أواخر فبراير 2026، عاد اسم "جبل بيكاكس" (Pickaxe Mountain) إلى واجهة الأخبار بعدما هدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أواخر يوليو الجاري، بضرب هذا الموقع النووي الإيراني "قريبًا جدًا وبقوة كبيرة"، على حد تعبيره أمام الصحفيين في المكتب البيضاوي. لكن خلف هذا التهديد المتكرر تكمن معضلة تقنية وعسكرية يقرّ بها خبراء أمريكيون أنفسهم: هل تملك واشنطن، من الأساس، القدرة على الوصول إلى ما تحت هذا الجبل؟

ما هو جبل "بيكاكس"؟

يُعرف الموقع بالفارسية باسم "كوه كولنك گاز لا" (Kuh-e Kolang Gaz La)، وتعني "كولنك" المعول أو الفأس، ومنها جاء الاسم الغربي المتداول "جبل المعول". يقع على مسافة تتراوح بين 1.5 و2 كيلومتر جنوب مجمع نطنز لتخصيب اليورانيوم في محافظة أصفهان وسط إيران، فيما يرتفع الجبل نفسه أكثر من 1600 متر فوق سطح البحر، ويمتد المجمع المحفور تحته على مساحة تناهز كيلومترًا مربعًا واحدًا.

بدأت إيران حفر الموقع عام 2020، عقب حريق ضرب منشأة نطنز اعتبرته طهران حينها عملاً تخريبيًا، وأبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية رسميًا أن الغرض من المنشأة الجديدة هو "تجميع أجهزة طرد مركزي متطورة"، تعويضًا عن الوحدة السطحية التي دُمرت. ويقول رئيس الوكالة رافائيل غروسي إن طهران أبلغتها منذ عام 2021 بنيّتها إقامة "نشاط نووي" في الموقع، غير أن مفتشي الوكالة لم يحصلوا يومًا على إذن لدخوله، ما ترك طبيعة ما يجري بداخله فعليًا رهين التحليل عبر صور الأقمار الصناعية وحدها.

عمق يتجاوز حسابات "القنبلة الأم"

بحسب تقديرات معهد العلوم والأمن الدولي (ISIS)، وهو مركز أبحاث أمريكي متخصص في رصد الملف النووي الإيراني منذ سنوات، فإن المنشأة مدفونة على عمق لا يقل عن 100 متر تحت الصخر الصلب. ويقول جيمس آكتون، المدير المشارك لبرنامج السياسة النووية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إنها "منشأة عميقة جدًا... على الأرجح 100 متر على الأقل"، مشددًا على أن العمق الحقيقي غير معروف بدقة تامة لغياب أي وثائق هندسية علنية.

هذا العمق، إلى جانب مدخلين نفقيين على الأقل من أصل أربعة عُزّزا بطبقات من الخرسانة والتراب، وسور أمني مزدوج (جدار وسياج) يطوّق الجبل بالكامل ويتصل بمحيط مجمع نطنز، يجعل من "بيكاكس" على الأرجح أصعب مواقع الملف النووي الإيراني تحصينًا. وتقول الباحثة نيكول غرايفسكي، من مؤسسة كارنيغي أيضًا، إن تدمير الموقع عبر حملة جوية شبيهة بتلك التي استُهدف بها موقع فوردو "أقرب إلى المستحيل"، موضحةً أن بيكاكس أعمق وأكثر تحصينًا من فوردو، ولا يُعرف له حتى الآن أي نقطة ضعف هيكلية مثل التي استُغلت هناك.      

قنبلة الثلاثين ألف رطل... وحدودها المعلنة

القنبلة الأمريكية "جي بي يو-57″، المعروفة اختصارًا بـ"القنبلة الخارقة للتحصينات" (MOP)، تزن نحو 13.6 طنًا ويبلغ طولها ست أمتار تقريبًا، ولا تحملها سوى القاذفة الشبحية "بي-2 سبيريت". استُخدمت للمرة الأولى في القتال الفعلي في يونيو 2025، خلال ما سُمّي "عملية مطرقة منتصف الليل"، حين أسقطت سبع قاذفات 14 قنبلة من هذا الطراز على مواقع نطنز وفوردو وأصفهان.

أما قدرتها على الاختراق، فتتفاوت التقديرات المتداولة في المصادر الأمريكية والغربية عمومًا بين 60 و90 مترًا تقريبًا في الصخر أو الخرسانة المسلحة، وهي أرقام تقريبية تتأثر بطبيعة التربة ونوع الصخر أكثر من كونها معادلة ثابتة. ويطرح بعض المحللين العسكريين فرضية "الضربة المزدوجة" — إسقاط قنبلة ثانية في الحفرة التي أحدثتها الأولى لزيادة عمق الاختراق تراكميًا لكن هذه الفرضية تبقى نظرية إلى حد بعيد، ولم تُختبر ميدانيًا بشكل موثّق حتى الآن. والمفارقة أن "بيكاكس"، من بين كل المواقع النووية الإيرانية الكبرى، هو الوحيد الذي لم يُقصف إطلاقًا، لا في حرب الاثني عشر يومًا في يونيو 2025 ولا في الجولة الثانية من الحرب التي اندلعت أواخر فبراير 2026؛ بل تشير صور الأقمار الصناعية إلى أن أعمال البناء والتحصين فيه تسارعت تحديدًا بعد ضربات الصيف الماضي.

تصعيد يوليو: مزاعم النقل ونفي طهران

في الأسابيع الأخيرة، نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن تقييمات استخباراتية إسرائيلية أن إيران نقلت آلاف أجهزة الطرد المركزي، وربما جزءًا من مخزونها المخصّب بنسبة 60%، إلى داخل جبل بيكاكس عقب حرب يونيو 2025. وتعامل ترامب نفسه مع هذه المعطيات بحذر لافت، قائلاً إن واشنطن "لا تملك ذلك موثقًا رسميًا"، وإن الأمر "لا يعني شيئًا" ما لم تكن إيران قادرة فعليًا على الوصول إلى موادها المخصّبة واستخدامها. في المقابل، نفى مصدر أمني رفيع في طهران، في تصريحات لشبكة CNN، وجود أي نشاط نووي داخل الموقع، مؤكدًا أن البرنامج الإيراني "سلمي بالكامل" ومخصص لتوليد الطاقة، فيما حذّرت طهران، بحسب الإعلام الرسمي الإيراني، من أن أي ضربة أمريكية جديدة على منشآتها النووية ستُعامل باعتبارها توسيعًا للحرب.

ورغم هذا النفي، كرر ترامب التهديد أكثر من مرة خلال يوليو، سواء أمام الصحفيين أو في مقابلة إذاعية، قائلاً: "نراقبه عن كثب... لكننا على الأرجح سنجرّب ضرب بيكاكس قريبًا نسبيًا". وفي أحدث تطورات الملف، صرّح ترامب عشية لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم 28 يوليو بأنه لا يحتاج إلى معلومات استخباراتية من تل أبيب بشأن الموقع، معربًا عن انزعاجه من تصريحات نتنياهو العلنية المتكررة حوله بالقول: "لماذا تُبلغ العالم كله؟". كما استُجوب وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث حول الملف أمام لجنة الاعتمادات بمجلس الشيوخ، دون أن يقدّم تفاصيل تتجاوز ما هو معلن.

صورة من الأقمار الصناعية تُظهر مركبات عند مدخل أنفاق جبل الفأس في 21 يونيو/حزيران 2026 (رويترز)                      

جدل الخبراء: بين "تحييد" الموقع و"تدميره"

يميّز عسكريون أمريكيون سابقون، من بينهم الجنرال المتقاعد روبرت سبولدينغ، الذي قاد سابقًا عمليات قاذفات بي-2، بين هدفين مختلفين تمامًا عند التخطيط لأي ضربة: تدمير محتويات الموقع من الداخل بشكل كامل، أو مجرد تعطيل قدرة إيران على استخدامه عبر إغلاق مداخله ومخارجه بالركام. فالخيار الثاني، بحسب هذا الطرح، لا يتطلب اختراق الطبقات الصخرية العميقة، بل يكتفي باستهداف فتحات الأنفاق والمنحدرات المؤدية إليها، وهو ما قد يفسر جزئيًا سبب تردد واشنطن حتى الآن رغم تكرار التهديدات اللفظية.

في المقابل، يشير معهد العلوم والأمن الدولي إلى أن حجم الحفريات تحت الجبل يبدو كافيًا لاستيعاب برنامج تخصيب أو حتى نشاط متصل بتصنيع سلاح نووي، دون أن يعني ذلك وجود دليل فعلي على أن إيران تُجري مثل هذا النشاط حاليًا. ويبقى هذا التمييز بين "القدرة الاستيعابية" للموقع و"الاستخدام الفعلي" له جوهر الجدل الدائر بين الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية، خصوصًا في ظل تعذّر تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية للموقع منذ الإعلان عنه.

مصير المخزون المخصّب... السؤال الذي لم يُحسم

قبل ضربات يونيو 2025، كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد وثّقت رسميًا امتلاك إيران نحو 440.9 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، وهي كمية تكفي نظريًا، في حال تخصيبها أكثر، لإنتاج ما يقارب عشرة أسلحة نووية وفق معايير الوكالة القياسية. وكان يُعتقد أن الجزء الأكبر من هذا المخزون مخزّن في أصفهان، مع كميات إضافية في نطنز وفوردو، إلا أن المفتشين الدوليين لم يتمكنوا منذ ذلك الحين من التحقق من كميته أو حالته أو حتى موقعه الحالي بدقة.

وتقول كايتلين ديفنبورت، الباحثة المتخصصة في الانتشار النووي، إن ثمة "علامة استفهام حقيقية" حول نوع أجهزة الطرد المركزي التي نجت أصلًا من الضربات الأمريكية وعددها، وهو ما يحدد مباشرة سرعة قدرة إيران على إعادة بناء برنامجها. أما الخبير أولي هاينونن، فيرى أن "السؤال الأكبر" يتعلق بالمكوّنات المصنّعة في مواقع متفرقة داخل البلاد، نظرًا لاستبعاد أن تكون الضربات الأمريكية قد دمّرت كل العشرين موقعًا المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني خلال حملة 2026.

ماذا يعني هذا كله؟

يبقى "جبل بيكاكس" اختبارًا حقيقيًا لحدود القوة الجوية الأمريكية أمام بنية تحتية محفورة في عمق الجبال، أكثر من كونه مجرد هدف عسكري إضافي على لائحة طويلة. فحتى في حال نفّذت واشنطن ضربة فعلية، يبقى السؤال الأهم بلا إجابة مؤكدة: أين يقع فعليًا مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب؟ فما لم تُحسم هذه المعادلة على الأرض، سيظل أي حديث عن "تدمير" أو "تحييد" البرنامج النووي الإيراني تحليلاً احتماليًا أقرب منه إلى حقيقة ميدانية مؤكدة، خصوصًا في ظل غياب أي عودة لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى الموقع، وهي العودة التي تصفها ديفنبورت بأنها "ضرورة حاسمة" لفهم الحقيقي لما تبقى من البرنامج الإيراني بعد عامين من الضربات المتلاحقة.

شارك هذا المقال

→ المقال التالي المقال السابق ←

التعليقات (0)

تعليقات