الحرب على إيران تتآكل في الداخل الأمريكي

 

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال اجتماع حكومي في «غرفة مجلس الوزراء» بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، يوم 29 كانون الثاني/يناير 2026. (تصوير: برندان سميالوفسكي/وكالة فرانس برس عبر غيتي إيمجز)




تحليل البصيرة

بعد ستة أشهر من انطلاق العمليات العسكرية ضدّ إيران، تُجمع أحدث الاستطلاعات على أنّ حرب واشنطن باتت الأقلّ شعبيةً منذ بدء القياسات الحديثة، لتضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام هامش مناورة يضيق يومًا بعد يوم قُبيل انتخابات التجديد النصفي.

حين أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عملياتهما العسكرية ضدّ إيران في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي، كان المتوقَّع وفق النمط التاريخي للحروب الأمريكية أن تحظى المغامرة بموجة تأييد شعبي في أسابيعها الأولى تُعرف بـ«الالتفاف حول العَلَم». غير أنّ ما جرى كان النقيض تمامًا: فمنذ اليوم الأول وُلدت هذه الحرب غير محبوبة، ثمّ أخذت شعبيتها تنهار أسبوعًا بعد أسبوع حتى بلغت قاعًا لم تسجّله أيّ حرب أمريكية حديثة. وقد سبق لمركز «بيو» أن رصد في آذار/مارس أنّ نحو 61% يعارضون إدارة ترامب للحرب، وأنّ 59% يعدّون قرار اللجوء إلى القوّة خاطئًا؛ ما يعني أنّ الرفض رافق هذه الحرب منذ مهدها، ولم يكن وليد إخفاقاتها اللاحقة.

أرقام لا تقبل التأويل

تكشف بيانات مؤسسة «إيكونوميست/يوغوف»، التي أُجريت بين العاشر والثالث عشر من تموز/يوليو، أنّ صافي التأييد لقرار مهاجمة إيران هبط إلى سالب ثلاثين بالمئة؛ إذ يرى 57% من الأمريكيين أنّ الحرب كانت قرارًا خاطئًا، مقابل 27% فقط يعتبرونها صائبة. ووصفت المجلة البريطانية الحرب بأنها الأقلّ شعبيةً منذ انطلاق الاستطلاعات الحديثة، لافتةً إلى مفارقة صارخة: ما استغرقته حرب فيتنام ستّ سنوات كي تبلغه من النفور، بلغته الحرب على إيران في ستّة أشهر فحسب. ويرى الباحث لاري سباتو من جامعة فرجينيا أنّ اللافت ليس عمق الرفض وحده، بل السرعة القياسية التي ترسّخ بها منذ الطلقة الأولى.

ولا تشذّ بقية القياسات عن هذا المسار. فاستطلاع شبكة «فوكس نيوز»، المحسوبة تقليديًا على اليمين والذي أُجري بين السابع عشر والعشرين من تموز، سجّل رقمًا قياسيًا: 66% يعارضون طريقة إدارة ترامب للملفّ الإيراني مقابل 34% فقط يؤيدونها، وهي أسوأ نسبة يبلغها الرئيس في هذا الملفّ على الإطلاق، فيما يعارض 56% أصلَ العمل العسكري ضدّ طهران. أمّا استطلاع «واشنطن بوست» فذهب أبعد، إذ قدّر صافي التأييد للحرب بسالب أربعين بالمئة؛ ووصف كبير محلّلي البيانات في شبكة «سي إن إن» هاري إنتِن هذا الرقم بأنه يجعل الحرب «غير شعبية تاريخيًا»، بعدما تدهور المؤشّر من سالب ثلاثة عشر في آذار/مارس إلى سالب أربعين اليوم. ولا يقف الأمر عند إدارة الملفّ وحده؛ إذ تراجع تأييد ترامب العام إلى 39% مقابل 61% يعارضون أداءه، بينهم 49% يعارضون «بشدّة» في رقمٍ يوازي أعلى مستوى مسجّل، فيما يرى 51% أنّ سياسته حيال إيران جعلت بلادهم أقلّ أمانًا. ولعلّ أبلغ تعبير عن انقلاب المزاج أنّ نسبة الديمقراطيين المعارضين للحرب (84%) باتت تفوق نسبة الجمهوريين المؤيّدين لها (76%).

ولا يمكن فصل هذا الانقلاب في المزاج العام عن كلفته الاقتصادية المباشرة. فقد لامست أسعار الوقود مستويات لم تشهدها البلاد منذ سنوات، وتراجعت الأسواق المالية إلى أدنى نقاطها في العام، فيما تشير تقديرات إلى أنّ الحرب كبّدت الأسر الأمريكية نحو مئة مليار دولار حتى الآن. ويرى محلّلون، من بينهم جيفري سكيلي من «ديسيجن ديسك»، أنّ القلق من الحرب مرتبط عضويًا بالنظرة إلى الاقتصاد وهو الملفّ الذي طالما شكّل نقطة قوّة ترامب الأبرز قبل أن ينقلب إلى نقطة ضعفه. فحين تتحوّل مواطن القوّة إلى أعباء، لا يبقى للرئيس كثيرٌ يستند إليه أمام ناخبيه.

حين تتصدّع القاعدة الصلبة

الأخطر بالنسبة إلى البيت الأبيض أنّ الرفض لم يعد حكرًا على الديمقراطيين والمستقلّين، بل تسلّل إلى داخل المعسكر الجمهوري نفسه. فالمستقلّون، الذين باتوا بيضة القبّان في كلّ استحقاق انتخابي، يعارضون الحرب بأغلبية ساحقة. وحتى قاعدة «ماغا» الصلبة بدأت تتصدّع؛ إذ تشير تقارير صحيفة «بوليتيكو»، نقلًا عن مصدر لم تسمّه، إلى تراجع نسبة من يرون الحرب تستحقّ كلفتها الاقتصادية داخل هذه القاعدة من نحو النصف في أيار/مايو إلى الثلث تقريبًا اليوم. ويؤكّد استطلاع «فوكس» هذا الاتجاه برصده تراجعًا في تأييد ترامب بين سكّان الأرياف والناخبين البيض إلى مستويات هي الأدنى في ولايته.

مأزق الخيارين

يجد ترامب نفسه اليوم في مأزق يلخّصه تحليل لمجلة «ذي أتلانتيك» بخيارين كلاهما مُرّ. الأوّل هو التصعيد: إرسال قوّات برّية أو السيطرة على أرض داخل إيران، وهو ما يعني مزيدًا من الخسائر في صفوف الجنود الأمريكيين، واستنزافًا لمخزون الذخائر، وارتفاعًا إضافيًا في كلفة المعيشة بعدما تجاوز سعر غالون الوقود أربعة دولارات لأوّل مرّة منذ عام 2022. والثاني هو الانسحاب: إعلان «نصرٍ» ما ثم المغادرة، لكن بثمن ترك طهران في موقعٍ استراتيجي هو الأقوى لها منذ عقود. وبين هذين الخيارين يتردّد الرئيس، فيما يواصل بحسب المقرّبين منه القتال في انتظار أن تنهار الإرادة الإيرانية قبل أن ينهار الدعم الداخلي.

يأتي هذا كلّه على وقع تطوّرات ميدانية متسارعة؛ فقد أُعلن عن مقتل أربعة جنود أمريكيين خلال عطلة نهاية الأسبوع في الأردن والعراق، في هجمات انتقامية إيرانية، بالتوازي مع استمرار الغارات الأمريكية على العمق الإيراني وتلويح واشنطن بضربات واسعة قد تطال أيضًا حلفاء طهران في اليمن. وفي مؤشّر على اتّساع الهوّة بين الخطاب الرسمي والأرقام، ردّ ترامب هذا الأسبوع على القول إنّ الأمريكيين ضدّ الحرب بنفيٍ صريح، زاعمًا أنّ اعتراض مواطنيه ينصبّ على أسعار الوقود المرتفعة لا على الحرب ذاتها.

الرأي العام متغيّرًا استراتيجيًا

مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي بعد أشهر قليلة، يتحوّل الرأي العام من مجرّد خلفية إلى متغيّر استراتيجي يقيّد هامش المناورة العسكري. فحين لا يتجاوز التأييد ربع الأمريكيين، يصبح لزامًا على المشرّعين الذين يمثّلون هؤلاء أن يوازنوا بين رغبة الرئيس وحسابات بقائهم في السلطة. ويحذّر سباتو من أنّ كلّ يوم إضافي من الحرب سيراكم الكلفة، وأنّ إحدى أبرز تلك الكلف ستكون دعم ترامب وحزبه في صناديق الاقتراع.

تقرأ «البصيرة» في هذه الأرقام ما هو أبعد من استطلاع عابر: إنّها صورة قوّة عظمى دخلت حربًا من دون تفويضٍ من كونغرسها ومن دون سرديةِ نصرٍ واضحة، فوجدت جبهتها الداخلية تتآكل أسرع من تآكل خصمها. وفي المقابل، تبدو طهران مستعدّةً لحرب استنزافٍ طويلة. وهنا تكمن المعادلة الجوهرية: ليست الغلبة لمن يملك القوّة النارية الأكبر، بل لمن تصمد إرادته حين تنفد إرادة الآخر. وبهذا المعنى، قد لا تُحسم هذه الحرب في سماء إيران، بل في مزاج الناخب الأمريكي.

البصيرة حيث تُقرأ الأحداث بعين التحليل لا الانفعال   |   albasyra.com

شارك هذا المقال

→ المقال التالي المقال السابق ←

التعليقات (0)

تعليقات