رابط محاضرة جيانغ المستوحى منها هذا المقال:
كيف يحاول الأستاذ جيانغ تفسير حروب العالم من خلال «علم الآخرة»؟
عندما ننظر إلى الحروب الكبرى التي تجري حول العالم، فإن التفسير المعتاد يكون سياسيًا أو عسكريًا: صراع على النفوذ، أو الطاقة، أو الأمن، أو الأراضي، أو المصالح الاقتصادية. لكن الأستاذ جيانغ يقترح زاوية مختلفة وأكثر إثارة للجدل: ماذا لو كانت بعض القوى السياسية والدينية لا تتحرك فقط وفق حسابات المصالح، بل أيضًا وفق تصوراتها عن «نهاية العالم»؟
في محاضرته، يحاول جيانغ بناء نموذج يسميه «قانون التقارب الأخروي» (Law of Eschatological Convergence). والفكرة ببساطة أن لكل تقليد ديني كبير تصورًا عن أصل العالم، وهدف الإنسان، ونهاية التاريخ. وعندما نقارن هذه التصورات، نجد – بحسب جيانغ – نقاطًا تتقاطع فيها، ومع ازدياد تأثير التيارات الأكثر تشددًا، يمكن لهذه النقاط المشتركة أن تتحول إلى أهداف سياسية وجيوسياسية.
ومن هنا يبدأ تفسيره للحرب الحالية.
تنبيه مهم: هذا المقال يعرض أطروحة الأستاذ جيانغ كما وردت في المحاضرة المرفقة. التنبؤات الواردة فيه هي تنبؤاته وتحليله الشخصي، ولا ينبغي تقديمها باعتبارها وقائع مؤكدة أو مواقف تمثل أتباع ديانة بأكملها.
أولًا: ما معنى «علم الآخرة»؟
المقصود بعلم الآخرة أو الإسخاتولوجيا (Eschatology) هو التصورات الدينية والفلسفية المتعلقة بالمصير النهائي للعالم والتاريخ والإنسان.
ويطرح جيانغ الفكرة بطريقة بسيطة: البشر يسألون دائمًا ثلاثة أسئلة كبرى:
من أين أتينا؟ لماذا نحن هنا؟ وإلى أين نتجه؟
والرواية الأخروية – بحسبه – تقدم إجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة: لماذا خلقنا الله؟ ما مهمتنا في هذا العالم؟ وماذا سيحدث في نهاية التاريخ؟
لكن أهمية هذه الروايات بالنسبة إلى جيانغ لا تتوقف عند الجانب الروحي.
هو يرى أن الرواية قادرة على تنظيم سلوك الجماعة. فبدل أن يكون لدى الناس مجرد مجموعة من المعتقدات، تصبح لديهم قصة تحدد لهم ما الذي يجب أن يحدث، وما الدور الذي يجب عليهم أن يلعبوه، وما النتيجة النهائية التي يجب الوصول إليها.
ولهذا يشبه جيانغ الرواية بـ«نظام تشغيل» للمجتمع: كلما آمن عدد كبير من الأشخاص بالقصة نفسها، أصبح من الممكن تنسيق تصرفاتهم حول هدف واحد. ويقول إن أقوى أنواع الروايات هو التصور الأخروي؛ لأنه يستطيع أن يمتد عبر قرون وعبر الحدود السياسية والإثنية.
ومن هنا تأتي فكرته الأساسية:
إذا عرفنا ماذا تتوقع كل عقيدة من نهاية العالم، ثم عرفنا أين تتقاطع هذه التوقعات، فقد نتمكن – بحسب جيانغ – من فهم سلوك بعض القوى السياسية والتنبؤ ببعض اتجاهات الصراع.
ثانيًا: البداية من الحرب الأمريكية الإيرانية
قبل أن يدخل جيانغ في نظريته الأخروية، يضع أمام طلابه بعض المؤشرات التي يعتبرها مهمة لفهم الحرب.
في بداية المحاضرة يذكّر بثلاثة تنبؤات طرحها سابقًا:
- أن الولايات المتحدة ستستخدم قوات برية في إيران.
- أن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تستخدما أسلحة نووية تكتيكية في الحرب.
- أن المسجد الأقصى سيتعرض للدمار خلال الحرب.
لكن هذه المحاضرة تركز خصوصًا على التنبؤ الثالث، لأن جيانغ يعتبره مرتبطًا بصورة مباشرة بفهمه للإسخاتولوجيا.
وهو يربط ذلك أيضًا بحديث سناتور أمريكي بعد إحاطة من البيت الأبيض، حيث قال إن هناك مخاوف بشأن احتمال نشر قوات أمريكية على الأرض في إيران، وإن الحرب ليس واضحًا إلى أين ستصل أو كم ستكلف. ويستخدم جيانغ ذلك بوصفه مؤشرًا على أن واشنطن قد تكون متجهة نحو حرب أطول وأكثر توسعًا.
ثالثًا: لماذا المسجد الأقصى مهم في هذه النظرية؟
هنا يصل جيانغ إلى النقطة الأكثر حساسية في محاضرته.
فهو يركز على المسجد الأقصى وقبة الصخرة والحرم القدسي، ويرى أن بعض التيارات اليهودية والمسيحية الصهيونية المتطرفة تربط نهاية التاريخ ببناء الهيكل الثالث.
وبحسب الرواية التي يعرضها، فإن تحقيق هذا الهدف يتطلب أولًا تغيير الوضع القائم في الموقع المقدس، ولذلك يضع هذه المسألة في قلب تحليله للحرب.
ويعرض جيانغ مقاطع لشخصيات دينية وسياسية يستخدمها لتوضيح ما يراه خلفية فكرية لهذا التصور من بينها تصريحات تتحدث عن إعادة بناء الهيكل، وأخرى يتناول فيها رجال دين إسرائيليون فكرة أن تدمير المسجد الأقصى يمكن أن يصبح جزءًا من سيناريو ديني أو سياسي. الروابط التالية هي الفيديوهات التي استعملها البروفيسور جيانغ لدعم نظريته:
Bibi Netanyahu Meets the Rebbe | 1990
Secretary of War Pete Hegseth on the 3rd Jewish Temple
'Jews Lost To Rome, Now We Must Win' Netanyahu
لكن النقطة التي يؤكد عليها جيانغ هي أنه يتحدث عن التيارات المتطرفة وليس عن كل اليهود أو كل المسيحيين.
بل إن المحاضرة نفسها تقول إن الكثير من اليهود يرفضون فكرة أن يستطيع الإنسان «تسريع» مجيء المسيح من خلال أفعاله، ويرون هذا النوع من التفكير انحرافًا دينيًا.
رابعًا: اليهودية الأخروية في قراءة جيانغ
بعد ذلك يبدأ جيانغ في رسم خريطة للنبوءات الدينية.
يقدم أولًا ما يعتبره الصورة الأساسية للتصور اليهودي: تاريخ طويل من الشتات، ثم عودة اليهود، ثم الخلاص، ثم عودة المسيح أو الحقبة المخلّصية، ثم بناء الهيكل والوصول إلى حالة من «الجنة على الأرض».
لكن تركيزه الأساسي ليس على اليهودية التقليدية، بل على النسخ الأكثر تطرفًا وتسريعًا.
وهنا تظهر فكرة مهمة جدًا:
«التسريعيون» الأخرويون
بحسب جيانغ، هناك تيارات هامشية لا تريد فقط انتظار تحقق النبوءة، بل ترى أنه يمكن للبشر تسريعها.
وبناءً على هذا التصور، يصبح من واجب البشر:
- إقامة دولة إسرائيل.
- إعادة اليهود المنتشرين في الشتات.
- السيطرة على القدس.
- بناء الهيكل الثالث.
- الوصول إلى الصراع النهائي.
- ثم ظهور المشيح المخلص وتحقيق العصر المخلّصي (جنة على الأرض).
ويرى جيانغ أن هذه الجماعات، رغم أنها قد تكون أقلية، يمكن أن يكون لها تأثير أكبر من حجمها إذا كانت أكثر تنظيمًا وحماسًا واستعدادًا للعمل.
وهذه إحدى النقاط المركزية في نظريته: الأفكار الأكثر تطرفًا قد تكون صاحبة تأثير كبير لأنها تدفع أتباعها إلى التحرك بقوة لتحقيق أهدافها.
خامسًا: الصهيونية المسيحية تدخل على الخط
بعد اليهودية، ينتقل جيانغ إلى الصهيونية المسيحية.
ويرى أن بعض التيارات البروتستانتية، خصوصًا ما يعرف في الأدبيات باسم Premillennial Dispensationalism، تبنت عناصر من السردية اليهودية الأخروية وأضافت إليها تصورًا مسيحيًا خاصًا.
في هذا السيناريو الذي يشرحه جيانغ:
يأتي المسيح في النهاية، لكن قبل ذلك تظهر شخصية الشر أو المسيح الدجال، وتحدث حرب كبرى تعرف بحرب جوج وماجوج، ثم يعود المسيح وينجو المؤمنون، وتحدث عملية «الاختطاف» أو Rapture.
والأكثر أهمية بالنسبة إلى جيانغ هو أن هذا التصور يسمح بنشوء تحالف بين الصهيونيين وبعض المسيحيين الصهاينة في المرحلة الأولى، لأن كلا الطرفين يرى مصلحة في تحقيق بعض الخطوات السابقة على النهاية.
لكن جيانغ يقول إن التحالف لن يستمر إلى الأبد.
ففي الرواية التي يعرضها، الصهيونيون والمسيحيون الصهاينة قد يتعاونون للوصول إلى مرحلة معينة، ثم ينقسمون لاحقًا لأن لكل طرف تفسيره النهائي لهوية المسيح وما سيحدث بعد ذلك.
سادسًا: «باكس يهودايكا» والنظام العالمي الجديد
ثم يضيف جيانغ عنصرًا آخر إلى هذا التصور، ويسميه Pax Judaica.
وفي تفسيره، يتعلق الأمر بنظام عالمي تهيمن عليه إسرائيل، ويربطه بتكنولوجيا المراقبة والذكاء الاصطناعي والهوية الرقمية و«علامة الوحش». كما يربط بينه وبين فكرة وجود حكومة عالمية واحدة يكون مركزها القدس والهيكل الثالث.
وهنا تتغير المسألة من مجرد صراع ديني حول الأرض المقدسة إلى سيناريو جيوسياسي عالمي.
فالهدف – في النموذج الذي يعرضه جيانغ – لا يقتصر على توسيع إسرائيل، بل يصل إلى إعادة تشكيل النظام العالمي نفسه.
سابعًا: ماذا عن الإسلام؟
ينتقل جيانغ بعد ذلك إلى التصورات الإسلامية لنهاية العالم.
ويعرض تصورًا إسلاميًا عامًا يرى فيه ظهور الدجال، ثم عودة عيسى عليه السلام وهزيمة الدجال.
حيث يرتبط المستقبل بظهور الإمام المهدي وانتصار المؤمنين على الدجال.
وهنا يرى جيانغ أن هناك نقطة مثيرة للاهتمام:
في الروايات الإسلامية، كما يعرضها، يوجد صراع نهائي ضد الدجال.
وفي بعض الروايات اليهودية والمسيحية التي يناقشها، يوجد أيضًا صراع نهائي قبل العصر المخلّصي.
أي أن الأطراف لا تتفق على هوية الخير والشر، ولا على هوية الشخصية المخلّصة، لكنها تتحدث جميعًا عن مرحلة نهائية من الصراع قبل الوصول إلى عالم جديد.
وهذه بالضبط هي فكرة «التقارب الأخروي».
ثامنًا: إيران وفارس والصراع النهائي
يخصص جيانغ جزءًا كبيرًا من تحليله لإيران.
ويبدأ من الزرادشتية، التي يقدمها باعتبارها تصورًا يقوم على الصراع بين النور والظلام والحقيقة والكذب، ثم معركة نهائية ويوم حساب ينتهي بظهور عالم أفضل.
ثم يحاول إسقاط هذا التصور على إيران الحديثة.
وهو يرى أن إيران، في الطريقة التي يفهم بها الحرب، لا تريد أن تظهر بوصفها الطرف الذي يدمر كل شيء، لأنها – في تصوره – تريد أن تظهر وكأنها تقاتل في صف «النور» والحقيقة.
ثم يربط ذلك بفكرة أكبر:
إذا أصبحت إيران أقوى نتيجة الحرب، فإنها – حسب جيانغ – قد تستعيد بشكل أكبر هويتها الفارسية.
ولماذا يهم ذلك؟
لأن جيانغ يربط بعض تفسيرات «جوج وماجوج» بـ فارس وروسيا، ويعتبر أنهما قد تظهران في نهاية السيناريو كقوتين تتحركان ضد النظام الذي يسميه Pax Judaica.
تاسعًا: جوج وماجوج... نقطة الالتقاء الكبرى
في نظر جيانغ، تمثل حرب جوج وماجوج واحدة من أهم نقاط التقارب بين الروايات المختلفة.
وهو يقر بوضوح بأن هوية جوج وماجوج ليست محسومة في نموذجه، لكنه يتعامل معها باعتبارها الحرب النهائية الكبرى التي تسبق نهاية التاريخ.
وفي نموذجه، يمكن أن تكون الحرب الحالية مع إيران مرحلة تؤدي لاحقًا إلى هذا الصراع الأكبر.
وهنا تصبح إيران وروسيا مهمتين جدًا.
فهما، في تفسيره، قد تظهران لاحقًا باعتبارهما جزءًا من القوى التي تواجه المشروع العالمي الجديد الذي يسميه Pax Judaica.
عاشرًا: الكاثوليكية و«مدينة الله»
لا يتوقف جيانغ عند اليهودية والمسيحية الصهيونية والإسلام والزرادشتية.
بل يضيف التصور الكاثوليكي، ويستعين بفكرة «مدينة الله» المرتبطة بأوغسطينوس.
بحسب العرض الذي يقدمه، أصبحت الكنيسة وريثة روما بعد سقوط الإمبراطورية، ثم تراجعت قوتها مع ظهور البروتستانتية وصعود الإمبراطورية الأنغلوساكسونية.
ولهذا يرى جيانغ أن أحد السيناريوهات الكامنة في التصور الأخروي الكاثوليكي هو سقوط الإمبراطورية الأنغلو-أمريكية بالطريقة التي سقطت بها روما سابقًا، تمهيدًا لاستعادة «مدينة الله».
الحادي عشر: روسيا و«روما الثالثة»
ثم يأتي الدور الروسي.
يشرح جيانغ ما يسمى «نظرية روما الثالثة»:
روما كانت روما الأولى.
القسطنطينية كانت روما الثانية.
أما موسكو فهي – بحسب هذه النبوءة – روما الثالثة.
والأهم، كما يعرضه جيانغ، أنه لا توجد «روما رابعة».
أي أن وصول موسكو إلى موقع «روما الثالثة» يعني الاقتراب من نهاية التاريخ وبداية عصر من السلام والازدهار.
ويربط جيانغ هذه الفكرة بالحرب الروسية الأوكرانية.
فهو يقول إن بعض التفسيرات الأرثوذكسية ترى أن روسيا يجب أن توحد العالم الأرثوذكسي وأن تهزم تركيا، بما يسمح بعودة اليونانيين إلى القسطنطينية – أي إسطنبول الحالية.
وهنا يصبح سقوط تركيا أو تراجع أوروبا وحلف الناتو جزءًا من السيناريو الروسي الذي يرسمه.
الثاني عشر: أين تتقاطع هذه العقائد؟
هنا يصل جيانغ إلى جوهر نظريته.
بعد أن عرض التصورات المختلفة، يسأل:
أين تتلاقى هذه الروايات؟
وبحسبه توجد عدة نقاط تقاطع.
1. صعود مشروع «إسرائيل الكبرى»
يرى جيانغ أن إحدى نقاط التقارب الأساسية هي تحقيق ما يسميه مشروع إسرائيل الكبرى.
وهو يفرق بين هذا المشروع وبين Pax Judaica.
فالأول يتعلق – وفق تعريفه – بالأرض التي يُعتقد أنها وُعد بها إبراهيم.
أما الثاني فيتعلق بنظام عالمي أوسع.
2. الانتقال من المسجد الأقصى إلى الهيكل الثالث
هذه النقطة هي محور توقعه الأكثر صدمة.
جيانغ يرى أن نقطة الالتقاء بين عدد من السيناريوهات الأخروية هي أن الهيكل الثالث يجب أن يظهر، وأن ذلك يعني – في النموذج الذي يطرحه – تدميرالمسجد الأقصى.
ولهذا كانت توقعاته الأولى تتضمن إمكانية تدمير المسجد خلال الحرب.
3. صعود معاداة السامية
هنا يقدم جيانغ فكرة مختلفة.
هو يقول إن انتشار العداء لليهود يمكن أن يؤدي – وفق بعض التصورات الأخروية التي يدرسها – إلى دفع اليهود في الشتات للعودة إلى إسرائيل.
وبالتالي، يرى أن معاداة السامية نفسها يمكن أن تتحول داخل هذه الرواية إلى عامل يخدم السيناريو الأخروي بدل أن يناقضه.
4. حرب جوج وماجوج
هذه هي الحرب النهائية الكبرى التي تسبق نهاية التاريخ في السيناريو الذي يرسمه جيانغ.
وهو يضع الحرب الحالية مع إيران على طريق يمكن أن يؤدي إليها.
5. تراجع الولايات المتحدة والصين
يلاحظ جيانغ أن الولايات المتحدة والصين – بحسب قراءته للروايات الأخروية المختلفة – لا تحتلان موقعًا مركزيًا في المرحلة النهائية.
ومن هنا يستنتج احتمال أن يحدث شيء يجعل القوتين أقل أهمية في النظام العالمي المستقبلي.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فيعتقد أن السيناريو الأكثر احتمالًا هو حرب أهلية داخلية.
الثالث عشر: ولهذا يرى جيانغ أن الحرب الحالية ليست مجرد حرب مع إيران
هنا تظهر الصورة كاملة.
بحسب نموذج جيانغ، الحرب مع إيران ليست حدثًا منفصلًا.
إنها حلقة في سلسلة أوسع:
وهكذا يحاول جيانغ جمع الحروب المختلفة داخل سيناريو أخروي واحد.
الرابع عشر: توقعات الأستاذ جيانغ للحرب والسنوات القادمة
بعد بناء هذه الخريطة، يقدم جيانغ مجموعة من التنبؤات التي يعتقد أنها قد تحدث خلال السنتين إلى الأربع سنوات التالية.
1. دخول القوات البرية الأمريكية إلى إيران
يتوقع جيانغ أن تضطر الولايات المتحدة إلى نشر قوات برية داخل إيران.
ويربط ذلك مباشرة بفرض التجنيد الإجباري في الولايات المتحدة.
ثم يتوقع أن يرفض كثير من الشباب الأمريكي المشاركة في الحرب، فتبدأ الاحتجاجات، وقد تضطر السلطات إلى استخدام الحرس الوطني، الأمر الذي يؤدي – في تصوره – إلى صراع داخلي واسع وربما حرب أهلية.
2. خسارة الولايات المتحدة للحرب البرية
لا يكتفي جيانغ بتوقع تدخل القوات الأمريكية، بل يتوقع أنها ستخسر الحرب.
ثم يقول إن القوات الأمريكية الموجودة في الشرق الأوسط ستنتقل بعد ذلك أكثر نحو إسرائيل.
3. انهيار اقتصادات الخليج
يتوقع جيانغ استمرار تدمير اقتصادات دول الخليج.
وفي قراءته، لا يمثل ذلك مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل جزءًا من مسار أكبر يهدف إلى إضعاف دول مجلس التعاون الخليجي وتقليل وزنها.
ويذهب أبعد من ذلك حين يقول إن مشروع «إسرائيل الكبرى» سيشمل – وفق نموذجه – مناطق من الخليج وتركيا ومصر.
4. دخول تركيا والسعودية إلى الحرب
يتوقع جيانغ أن تدخل تركيا والسعودية الحرب.
ويرى أنهما ستدفعان ثمنًا كبيرًا جراء ذلك، لأن مشاركتهما – بحسب منطقه – ستضعف القوى التي تقاوم السيناريوهات الأخروية التي يناقشها.
5. تدمير المسجد الأقصى
هذا هو أحد أهم تنبؤاته، وقد طرحه منذ بداية المحاضرة باعتباره نقطة يمكن أن تؤكد أو تهدم نموذجه.
فهو يقول صراحة إنه إذا لم يُدمّر المسجد وإذا وصلت الأطراف إلى السلام، فإن نموذجه التنبؤي سيكون خاطئًا.
6. صعود فارس من جديد
يتوقع جيانغ أن يؤدي انتصار إيران – أو حتى صمودها – إلى تعزيز هويتها الفارسية.
والسبب في نظره أن فارس تمثل عنصرًا مهمًا في القراءة التي تربط إيران بـ«جوج وماجوج» يعتقد الصهاينة أن تحالفًا بين هذه الدول (روسيا و إيران أو "جوج وماجوج" كما يعتقدون ) سيشنّ غزوًا عسكريًا مستقبليًا ضد إسرائيل، مما يمهّد الطريق للأحداث الأخروية النهائية وعودة يسوع المسيح للمسيحيين أو المشيح لليهود
وبالتالي، فهو يرى أن إيران قد تستفيد من الحرب، حتى لو بدا ذلك متناقضًا مع بعض الأهداف الإسرائيلية أو الأمريكية، لأن النتيجة قد تساعد في بناء المعسكر الذي يعتقد أن الروايات الأخروية تنتظره في النهاية.
7. تحقيق «إسرائيل الكبرى» وPax Judaica
هذه نقطة محورية في توقعاته.
يتوقع جيانغ توسع إسرائيل جغرافيًا، ثم انتقال المزيد من رأس المال والتكنولوجيا والقوة الاقتصادية إليها.
بل يذكر أمثلة لشركات تكنولوجية كبرى مثل Nvidia وOracle وMicrosoft وGoogle، ويقول إن رأس المال التكنولوجي يمكن أن يتجه إلى إسرائيل في السيناريو الذي يتوقعه.
مرة أخرى: هذا تنبؤ من المحاضرة وليس خبرًا أو توقعًا معتمدًا.
8. انتصار روسيا في أوكرانيا
يتوقع جيانغ أن تنتصر روسيا في الحرب الأوكرانية.
لكن أهم من ذلك بالنسبة إليه هو ما سيأتي بعد الحرب.
9. عودة اليونانيين إلى القسطنطينية
يربط جيانغ السيناريو الروسي بإمكانية اندلاع حرب بين اليونان وتركيا، مع دعم روسي لليونان، بما يسمح بعودة اليونانيين إلى القسطنطينية – أي إسطنبول.
وهو يربط ذلك مباشرة بنبوءة «روما الثالثة».
10. نهاية الناتو وتدمير أوروبا
إذا أدى الصراع الروسي إلى هزيمة تركيا أو انهيار بنية الناتو، فإن جيانغ يتوقع تراجع أوروبا وانهيار حلف الناتو.
ويرى أن الحرب الأوكرانية ليست في هذه القراءة مجرد حرب حدودية، وإنما يمكن أن تكون جزءًا من مشروع أوسع مرتبط بالتصور الأرثوذكسي عن «روما الثالثة».
الخامس عشر: لماذا يربط كل هذه الحروب ببعضها؟
لأن فكرة جيانغ الأساسية ليست أن هناك شخصًا واحدًا أو حكومة واحدة تتحكم بكل هذه الأحداث.
بل فكرته أكثر تعقيدًا:
كل تيار ديني لديه قصة مختلفة، لكن بعض هذه القصص تحدد أهدافًا تتقاطع في لحظات معينة.
فقد يريد طرفٌ عودة المسيح.
ويريد طرف آخر ظهور المهدي.
ويريد طرف ثالث إعادة بناء الهيكل الثالث عبر تدمير المسجد الأقصى
ويرى طرف رابع موسكو باعتبارها «روما الثالثة».
لكن كل هذه الروايات – وفق جيانغ – تتطلب سلسلة من الصراعات والتحولات الكبرى.
وهكذا قد تصل الأطراف المختلفة، رغم اختلافاتها، إلى نتائج جيوسياسية متشابهة.
هذا هو «التقارب الأخروي» الذي يتحدث عنه.
السادس عشر: وماذا عن التفسير السياسي العادي؟
في نهاية المحاضرة يطرح أحد الطلاب اعتراضًا مهمًا جدًا:
ربما لا نحتاج إلى كل هذه النظريات.
ربما تحاول إدارة ترامب ببساطة تدمير إيران كما حاولت تدمير فنزويلا، لكنها أخطأت في حساباتها، ثم وجدت نفسها في حرب أكبر مما توقعت.
جيانغ لا يرفض هذا الاحتمال.
بل يقر بأن هناك تفسيرًا سياسيًا بسيطًا للحرب: الغرور وسوء التقدير والاعتقاد بأن الخصم أضعف مما هو عليه.
ويقول إنه إذا كان هذا التفسير صحيحًا، فقد تعلن إدارة ترامب «النصر» وتنسحب من الحرب.
وهذه النقطة مهمة لأنها تكشف طبيعة أطروحته:
هو لا يقول إن التفسير الأخروي هو التفسير الوحيد الممكن، بل يقول إنه يرى أن التفسير الجيوسياسي التقليدي وحده لا يكفي لفهم الصورة التي يرسمها.
السابع عشر: ما الذي يريد جيانغ من القارئ أن يراه؟
في نهاية المحاضرة، يلخص جيانغ فكرته بشكل واضح:
بدل أن ننظر إلى كل حرب بشكل منفصل، يجب أن نسأل:
ما هي القصص التي يؤمن بها أصحاب القرار؟
ثم:
ماذا تقول هذه القصص عن نهاية العالم؟
ثم:
أين تتقاطع هذه القصص؟
ومن خلال نقاط التقاطع، يقول جيانغ إنه يستطيع رسم تصور عن شكل العالم خلال السنوات القادمة.
وهكذا لا تعود الحرب الأمريكية الإيرانية بالنسبة إليه مجرد حرب على برنامج نووي أو نفوذ إقليمي.
بل تصبح جزءًا من سلسلة يُفترض أن تشمل:
إيران، إسرائيل، الخليج، تركيا، روسيا، أوكرانيا، أوروبا، الولايات المتحدة، القدس، الهيكل الثالث، جوج وماجوج، والنظام العالمي الجديد.
الخلاصة: هل نحن أمام «نهاية العالم» أم أمام صراع سياسي؟
هذه هي النقطة التي تجعل تحليل الأستاذ جيانغ مثيرًا ومثيرًا للجدل في الوقت نفسه.
هو لا ينظر إلى الدين باعتباره مجرد معتقد شخصي منفصل عن السياسة، بل باعتباره قوة تستطيع – عندما تتحول إلى مشروع سياسي – أن تؤثر في طريقة فهم الحروب والأعداء والمستقبل.
وفي النموذج الذي قدمه، لا توجد رواية أخروية واحدة، وإنما روايات متعددة:
اليهودية المتطرفة تتحدث عن الخلاص والهيكل الثالث
الصهيونية المسيحية تضيف المسيح الدجال والاختطاف وجوج وماجوج.
الإسلام يتحدث عن الدجال وعودة عيسى و الإمام المهدي
الزرادشتية تقدم صراع النور والظلام والحرب النهائية.
التصور الكاثوليكي يتحدث عن «مدينة الله» في مقابل القوى الإمبراطورية.
التصور الأرثوذكسي الروسي يقدم موسكو باعتبارها «روما الثالثة».
وبحسب جيانغ، فإن السؤال ليس: هل تتفق هذه الأديان؟
بل:
أين تتقاطع؟
لأنه يرى أن هذه النقاط المشتركة قد تتحول إلى محركات سياسية وجيوسياسية قادرة على دفع العالم نحو سلسلة من الحروب والتحولات.
ومن هنا جاءت توقعاته: دخول القوات الأمريكية إلى إيران، التجنيد الإجباري، اضطرابات داخل الولايات المتحدة، تراجع الخليج، دخول تركيا والسعودية الحرب، صعود إيران وفارس، تغير وضع المسجد الأقصى، توسع إسرائيل، صعود Pax Judaica، انتصار روسي في أوكرانيا، تراجع الناتو، وربما إعادة تشكيل أوروبا والنظام العالمي كله.
لكن هناك فارقًا يجب ألا يضيع وسط كل هذا:
هذه ليست قائمة بأحداث مؤكدة ستقع. إنها خريطة تنبؤية بناها الأستاذ جيانغ انطلاقًا من تفسيره لأكثر الروايات الأخروية تطرفًا، ثم حاول إسقاطها على الجغرافيا السياسية الحالية.
وقد يكون بعض ما يتوقعه خاطئًا.
وقد تكون الحروب ناتجة ببساطة عن حسابات القوة والمصلحة وسوء التقدير.
لكن السؤال الذي يطرحه يظل جديرًا بالتأمل:
ماذا يحدث للعالم عندما يبدأ بعض السياسيين أو الجماعات في النظر إلى الحروب الحالية باعتبارها خطوات في طريق «نهاية التاريخ»؟
ربما يكون أخطر شيء في النبوءة ليس أن تتحقق...
بل أن يبدأ البشر بصناعة الأحداث حتى تتطابق مع النبوءة التي يؤمنون بها.

التعليقات (0)
تعليقات
إرسال تعليق