عندما أُعلن عن مشروع نيوم في المملكة العربية السعودية، بدا وكأنه مشروع خرج مباشرة من فيلم عن المستقبل. لم يكن الهدف مجرد بناء مدينة جديدة، بل إعادة تعريف شكل الحياة الحضرية والاقتصاد السعودي، وتحويل منطقة صحراوية شاسعة إلى مركز عالمي للتكنولوجيا والسياحة والصناعة. وكان المشروع جزءًا أساسيًا من رؤية طموحة تهدف إلى تقليل اعتماد السعودية على النفط.
لكن الصورة التي بدت مذهلة على شاشات العرض اصطدمت تدريجيًا بواقع أكثر تعقيدًا. فوفقًا للمعطيات الواردة في التحقيق الذي يستند إليه هذا المقال، توقفت أو بدأت تتراجع أعمال البناء في المشاريع الرئيسية لنيوم، بينما أصبحت التكلفة المالية للمشروع أكبر بكثير مما كان متصورًا في البداية.
فكيف تحوّل أحد أكثر المشاريع طموحًا في القرن الحادي والعشرين إلى مشروع يواجه إعادة ترتيب للأولويات، وتراجعًا في عدد من مكوناته، وتكاليف هائلة يصعب تبريرها؟
حلم يتجاوز الخيال
كان مشروع ذا لاين، أو "الخط"، جوهر رؤية نيوم. الخطة الأصلية كانت تتحدث عن مدينة ضخمة تمتد لمسافة أطول من ولاية كونيتيكت الأمريكية، بمساحة بناء تتجاوز سبعة مليارات قدم مربعة، أي أكثر من إجمالي مساحات جميع مباني مدينة نيويورك مجتمعة، وبطاقة استيعابية تصل إلى تسعة ملايين نسمة.
وكان التصور أكثر طموحًا من مجرد مدينة ضخمة. فقد أراد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أن تكون نيوم مختلفة عن أي شيء عرفه العالم من قبل، حتى إنه تحدث عن مفهوم "العمارة عديمة الجاذبية"، بحيث تبدو المباني وكأنها تنتمي إلى عالم لا تعمل فيه قوانين الجاذبية بالشكل المعتاد.
لكن المشكلة كانت واضحة منذ البداية: هل يمكن تنفيذ مشروع بهذا الحجم أصلًا؟
فحتى داخل المشروع نفسه، كانت هناك وثائق تشير إلى مخاوف تتعلق بالبيئة، وقابلية السكن، والهندسة المعمارية، وإمكانية البناء، والأهم من ذلك كله: التكلفة الهائلة. ووصف أحد المشاركين في التحقيق هذه المخاوف بأنها دليل على أن بعض العاملين من الداخل كانوا يرون المشكلة نفسها التي بدت واضحة للمراقبين من الخارج: المشروع كان ببساطة على نطاق يصعب تنفيذه.
مدينة واحدة لم تكن كافية
لم تكن "ذا لاين" سوى جزء من رؤية نيوم. فقد تفرعت الخطة إلى مجموعة من المشاريع العملاقة، لكل منها تصور يكاد يبدو منفصلًا عن الواقع.
كان هناك تروجينا، وهو منتجع للتزلج في منطقة جبلية صحراوية، حيث كان من المخطط توفير الثلوج لثلاثة أشهر سنويًا رغم أن المنطقة لا تشهد اليوم سوى تساقط محدود للثلوج سرعان ما يذوب.
وكان هناك أوكساغون، المدينة الصناعية والميناء المتقدم الذي يفترض أن يصبح مركزًا للخدمات اللوجستية والتصنيع الحديث. أما سندالة فكانت منتجعًا فاخرًا على جزيرة موجهًا إلى أصحاب اليخوت والسياحة فائقة الرفاهية.
وفي المراحل الأولى، لم تتوقف الأفكار عند هذه المشاريع. فقد تضمنت وثائق تجاوزت ألفي صفحة أفكارًا مثل قمر اصطناعي ضخم، ومنتزه مستوحى من "جوراسيك بارك"، وحتى خططًا للتحكم في الطقس.
المشكلة لم تكن في نقص الأفكار، بل ربما في كثرتها.
مليارات تُدفن تحت الرمال
على الأرض، لم يكن مشروع نيوم مجرد صور ثلاثية الأبعاد. فقد نُفذت بالفعل أعمال ضخمة. ففي منطقة "ذا لاين"، جرى حفر مسار بطول يتجاوز 70 ميلًا، وإنشاء خندق للبنية التحتية والقطارات. كما جرى العمل على حوض ضخم أطلق عليه اسم "المارينا"، وحُفر حتى عمق يقارب 150 قدمًا تحت مستوى سطح البحر، قبل أن تبدأ عمليات غرس ركائز خرسانية ضخمة في أعماق الأرض. ثم توقفت هذه الأعمال في أواخر العام الماضي، بحسب التحقيق.
وفي تروجينا، ظهرت أعمال واسعة لبناء بحيرة وسد ومنشآت ضخمة مرتبطة بالمنتجع الجبلي. كما أظهرت مقاطع مصورة من أيام المشروع الأخيرة حجم كميات الحديد والخرسانة التي استُخدمت قبل أن يتلقى العمال تعليمات بالتوقف ومغادرة الموقع.
أما سندالة، فقد كانت قد شهدت بدورها قدرًا كبيرًا من أعمال البناء قبل أن تتوقف أجزاء من المشروع. حتى ملعب الغولف الذي كان أخضر في السابق ظهر وقد تحول إلى اللون البني.
وهنا تظهر المفارقة: لقد تم إنفاق أموال ضخمة بالفعل، لكن حجم ما أُنجز لم يكن قريبًا من حجم الرؤية الأصلية.
المشكلة الأكبر: التكلفة
ربما كان العامل الحاسم في أزمة نيوم هو الاقتصاد.
في البداية، قُدم المشروع باعتباره مشروعًا بتكلفة تقارب 500 مليار دولار. لكن الأرقام اللاحقة أصبحت أكثر إثارة للقلق. فقد أظهرت وثيقة داخلية اطلع عليها التحقيق أن رأس المال المطلوب للوصول بنيوم إلى حالتها النهائية بحلول عام 2080 قد يصل إلى 8.8 تريليون دولار. وهذا الرقم يعادل أكثر من 25 ضعف الميزانية السنوية للسعودية في ذلك الوقت.
وبحسب مصادر مطلعة أوردها التحقيق، تجاوز ما أنفقته السعودية على نيوم بالفعل 50 مليار دولار، مع توقع إنفاق مليارات إضافية حتى على عمليات تقليص المشروع وإنهاء بعض أعماله.
كما سجل صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي يسيطر على نيوم، عمليات شطب وانخفاض في قيمة مشاريعه الرأسمالية بلغت 74.7 مليار ريال في 2024 و46.8 مليار ريال في 2025، وفق الأرقام الواردة في التحقيق.
عندما تصبح الأرقام جزءًا من المشكلة
الأكثر إثارة للجدل هو ما حدث داخل بعض المشاريع نفسها.
ففي حالة تروجينا، أظهرت وثيقة تعود إلى عام 2023 أن تكلفة المشروع ارتفعت إلى نحو 39 مليار دولار. لكن المشكلة كانت أن القيادة السعودية أرادت أن تكون المشاريع مربحة، ما جعل القائمين عليها بحاجة إلى تقديم نماذج مالية قادرة على إظهار أنها ستعيد الأموال إلى الدولة في المستقبل.
وبحسب الوثائق التي راجعها التحقيق، ارتفعت توقعات الإيرادات بالتزامن مع ارتفاع التكاليف. أحد الأمثلة كان موقعًا سياحيًا من نوع "غلامبينغ" كان يُفترض أن يحقق 216 دولارًا لليلة، ثم رُفع التقدير إلى 704 دولارات، رغم عدم تغير الظروف الفعلية على الأرض.
وهنا تكمن إحدى أهم مشكلات المشروع: عندما تصبح الرؤية السياسية أكبر من القدرة الاقتصادية على تنفيذها، يمكن أن تبدأ الأرقام نفسها في التكيف مع الحلم بدل أن يكون الحلم هو الذي يتكيف مع الأرقام.
"رقصة الوهم المتبادل"
ابتداءً من أواخر العام الماضي، بدأ نيوم في إلغاء عقود مرتبطة بعدد من المشاريع القائمة. كما بدأت شركات كبرى تعلن أن أعمالها في نيوم انتهت، وظهرت اعترافات علنية متزايدة بأن بعض العقود لم تعد قائمة.
لكن المسؤولين السعوديين لم يقدموا الأمر بالضرورة باعتباره إلغاءً للمشروع. فقد وصف ياسر الرميان، رئيس صندوق الاستثمارات العامة، الوضع بأنه إعادة ترتيب للأولويات، مؤكدًا أن المشاريع لم تُلغَ.
وهذا يقود إلى الوصف الأكثر دلالة الذي ظهر في التحقيق: "رقصة الوهم المتبادل".
فالمشروع، وفق هذا التصور، لم يكن يعاني فقط من ارتفاع التكاليف أو صعوبة البناء، بل من مشكلة مؤسسية أعمق: صعوبة قول الحقيقة بشأن حدود ما يمكن تنفيذه. كانت الرؤية التي أرادها ولي العهد شديدة الطموح، بينما لم يكن من السهل على المحيطين به إبلاغه بأن بعض عناصرها غير قابلة للتنفيذ.
نهاية الحلم أم بداية مرحلة جديدة؟
قد لا يعني ما يحدث أن نيوم انتهت بالكامل. فالمشروع لا يزال يملك موارد مالية هائلة، كما أن بعض مكوناته، خصوصًا أوكساغون، تبدو أكثر تركيزًا في المرحلة الحالية. لكن ما انهار، وفق المعطيات الواردة في التحقيق، هو النموذج الأصلي للحلم: مدينة مستقبلية هائلة تُبنى دفعة واحدة، وتضم مشاريع تتجاوز حدود الاقتصاد والهندسة والبيئة.
قصة نيوم تكشف في النهاية درسًا يتجاوز السعودية نفسها. فالمشاريع العملاقة لا تُبنى بالصور المبهرة وحدها، ولا بالتصريحات السياسية، ولا بضخ مليارات الدولارات. إنها تحتاج إلى حسابات واقعية، ومراحل تنفيذ قابلة للتحقق، وآليات تسمح للمسؤولين بسماع الأخبار السيئة قبل أن تتحول إلى كوارث مالية.
ربما لم يكن فشل نيوم في أن الحلم كان كبيرًا جدًا، بل في أن الحلم لم يكن مستعدًا للتنازل أمام الواقع.
وفي النهاية، يبدو أن قصة نيوم تقترب أكثر فأكثر من حكاية إيكاروس: مشروع حلق عاليًا، مدفوعًا بطموح غير مسبوق، قبل أن يصطدم بحدود لا تستطيع الأموال ولا التكنولوجيا تجاوزها بسهولة. وكما يلخص التحقيق، فقد اصطدمت الرؤية الخيالية لولي العهد في نهاية المطاف بالواقع المالي.

التعليقات (0)
تعليقات
إرسال تعليق