رابط تحليل جون ميرشايمر على اليوتيوب:
في الوقت الذي تتزايد فيه المخاوف بشأن عودة التنافس بين القوى الكبرى، تعود الأسلحة النووية التكتيكية إلى واجهة النقاش الاستراتيجي. فمع تراجع الثقة بقدرة الجيوش التقليدية على خوض حروب طويلة ومكلفة، بدأ يظهر تصور مغرٍ ظاهريًا: إذا كانت القوة العسكرية التقليدية غير كافية، فلماذا لا نستخدم عددًا محدودًا من الأسلحة النووية الصغيرة لردع الخصم أو تغيير مسار الحرب؟
يرى البروفيسور جون ميرشايمر أن هذا التفكير يقوم على وهم خطير. فالسلاح النووي التكتيكي قد يبدو أصغر وأكثر قابلية للاستخدام من السلاح النووي الاستراتيجي، لكن المشكلة الأساسية لا تكمن في حجم القنبلة وحده، بل في طبيعة الحرب التي يمكن أن يطلقها استخدامها.
ويستند ميرشايمر في تحليله إلى تجربة تاريخية مهمة تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، حين كانت الولايات المتحدة نفسها ترى في الأسلحة النووية التكتيكية وسيلة للتعويض عن ضعف قدراتها التقليدية.
عندما أصبح السلاح النووي «حلًا سحريًا»
بعد الحرب العالمية الثانية، تبنت الولايات المتحدة في الخمسينيات استراتيجية تقوم بدرجة كبيرة على مفهوم الرد الانتقامي الشامل. لم تكن الخيارات المتاحة أمام صناع القرار الأمريكيين في حال اندلاع حرب مع الاتحاد السوفييتي واسعة كما أصبحت لاحقًا.
كانت المشكلة واضحة: الاتحاد السوفييتي يمتلك جيشًا بريًا تقليديًا هائلًا، بينما كانت القوات الأمريكية والغربية في أوروبا محدودة. كما أن ألمانيا الغربية لم تكن قد أعادت بناء جيش ذي أهمية قبل عام 1955، في حين كانت فرنسا منشغلة بحروبها الاستعمارية، خصوصًا في الهند الصينية.
أمام هذا الاختلال، بدا السلاح النووي التكتيكي وكأنه الحل المثالي. فقد نشرت الولايات المتحدة كميات كبيرة منه في أوروبا، ولم يكن الهدف مجرد ردع الاتحاد السوفييتي، بل كان يُنظر إليه أيضًا باعتباره أداة يمكن استخدامها فعليًا في ساحة المعركة إذا اندلعت الحرب.
بمعنى آخر، إذا عجزت القوات التقليدية عن إيقاف الهجوم السوفييتي، فإن الأسلحة النووية التكتيكية ستتولى المهمة.
لكن تجربة واقعية، ولو كانت في شكل محاكاة عسكرية، سرعان ما كشفت مدى خطورة هذه الفكرة.
«Carte Blanche»: إنقاذ أوروبا عبر تدميرها
في يونيو/حزيران 1955، أجرت الولايات المتحدة وحلفاؤها محاكاة حربية شهيرة حملت اسم «Carte Blanche». كان السيناريو يفترض اندلاع هجوم سوفييتي تقليدي على أوروبا الغربية، ورد قوات الناتو باستخدام الأسلحة النووية التكتيكية.
شارك في المناورة نحو 3000 طائرة تابعة لـ11 دولة، واستخدم خلالها ما يقارب 335 سلاحًا نوويًا. وكما كان متوقعًا في سيناريو حرب نووية فعلية، رد الجانب السوفييتي باستخدام أسلحته النووية أيضًا.
كانت النتيجة كارثية.
وفق الأرقام التي يستشهد بها ميرشايمر، أدت المحاكاة إلى مقتل نحو 1.7 مليون ألماني غربي وإصابة نحو 3.5 ملايين آخرين، دون احتساب الوفيات الإضافية التي يمكن أن تنتج عن التعرض للإشعاع.
المفارقة هنا هي جوهر الحجة كلها: كان من المفترض استخدام الأسلحة النووية لحماية ألمانيا الغربية، لكن السيناريو انتهى بتدمير ألمانيا نفسها.
وكما يلخص ميرشايمر الفكرة، كان الأمر أشبه بـ**«تدمير ألمانيا من أجل إنقاذ ألمانيا»**.
لم تكن المشكلة في أن الأسلحة النووية لم تكن قوية بما يكفي. كانت المشكلة أنها كانت قوية إلى درجة تجعل استخدامها للدفاع عن أرض مأهولة بالسكان يقوض الهدف الذي يفترض أن تخدمه.
المشكلة الأكبر: لا توجد حرب نووية «محدودة» بسهولة
لكن الدمار وحده ليس المشكلة الوحيدة.
هناك سؤال أكثر خطورة: ماذا يحدث بعد استخدام السلاح النووي الأول؟
يرى ميرشايمر أن الإجابة ليست واضحة على الإطلاق. فالحد الفاصل بين النووي التكتيكي، والنووي متوسط المدى، والنووي الاستراتيجي ليس خطًا واضحًا يمكن للقادة التحكم فيه بسهولة.
بمجرد استخدام السلاح النووي، تدخل الأطراف في بيئة جديدة تمامًا، حيث يصبح خطر التصعيد حاضرًا في كل خطوة.
قد يبدأ الأمر بسلاح نووي واحد أو بعدد محدود من الأسلحة بهدف «إرسال رسالة». لكن إذا رد الخصم، فكيف سيكون الرد؟ وهل ستتوقف الدولة الأولى؟ أم ستستخدم المزيد من الأسلحة لإثبات أنها جادة؟
هنا تظهر ما يسميه ميرشايمر «سلم التصعيد»؛ إذ يمكن أن تتحول خطوة محدودة إلى سلسلة من الخطوات التي يصعب التراجع عنها.
وتزداد المشكلة تعقيدًا لأن العالم، لحسن الحظ، لم يشهد حتى الآن حربًا نووية فعلية واسعة النطاق. وبالتالي فإن معرفتنا بالديناميكيات الحقيقية للتصعيد النووي محدودة للغاية.
في حرب تقليدية يمكن للقادة تعديل عملياتهم، إيقاف الهجوم أو التراجع وإعادة التموضع. أما في حرب نووية، فقد تكون بعض القرارات غير قابلة للعكس.
من «الحرب النووية» إلى «التلاعب بالمخاطر»
المفارقة التاريخية أن الولايات المتحدة وحلف الناتو لم يتخليا تمامًا عن فكرة استخدام الأسلحة النووية التكتيكية. لكنهما أعادا تعريف الغرض منها.
بعد تجربة «Carte Blanche»، بدأ التفكير الاستراتيجي يتغير تدريجيًا.
في البداية، كانت عقيدة الناتو، كما تجسدت في «MC 14-2» عام 1957، لا تزال تمنح الأسلحة النووية التكتيكية دورًا كبيرًا في خوض الحرب. لكن خلال السنوات التالية بدأ الحلف يدرك أن بناء استراتيجية دفاعية تقوم على خوض حرب نووية تكتيكية في أوروبا فكرة شديدة الخطورة.
لذلك اتجه الناتو تدريجيًا نحو تعزيز قدراته التقليدية، خصوصًا مع إعادة تسليح ألمانيا الغربية وبناء جيش ألماني قوي، إلى جانب زيادة القوات التقليدية الأمريكية في أوروبا.
وهكذا بدأ ميزان الردع يتحول: بدلًا من الاعتماد المفرط على الأسلحة النووية، أصبح الهدف هو جعل القوات التقليدية خط الدفاع الأول، مع إبقاء الأسلحة النووية في الخلفية.
ثم ظهرت فكرة أكثر تعقيدًا: لا تستخدم الأسلحة النووية بهدف «الفوز بالحرب»، وإنما تستخدم عددًا محدودًا منها لإقناع الخصم بأنك مستعد لتحمل خطر التصعيد إذا لم يتراجع.
هذا المفهوم، المرتبط بما يسميه توماس شيلينغ «التلاعب بالمخاطر»، لا يفترض أن الأسلحة النووية يمكنها تحقيق انتصار عسكري تقليدي. بل تعتمد الفكرة على التهديد الكامن وراء استخدامها.
وفي عام 1967، جاءت عقيدة «MC 14-3» لتعكس هذا التحول نحو استخدام أكثر محدودية للأسلحة النووية، بحيث تصبح وظيفتها الأساسية ردعية وإكراهية، لا وسيلة لخوض حرب نووية شاملة في أوروبا.
لماذا يعود هذا النقاش اليوم؟
هنا تصبح قراءة ميرشايمر أكثر ارتباطًا باللحظة الراهنة.
فهو يرى أن المشكلة التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم تشبه، من بعض النواحي، المشكلة التي واجهتها في الخمسينيات: تراجع قوة الردع التقليدي مقارنة بالمنافسين الرئيسيين.
ويشير إلى أن حرب أوكرانيا، وما يسميه حرب إيران، كشفت في رأيه عن نقاط ضعف في القاعدة الصناعية العسكرية الأمريكية، وعن صعوبة إنتاج كميات كافية من الذخائر لخوض حرب تقليدية طويلة ضد قوة كبرى.
وفي مواجهة دول مثل روسيا والصين، اللتين تمتلكان قواعد صناعية ضخمة قادرة على دعم حرب طويلة، يرى ميرشايمر أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها في وضع غير مريح إذا طال أمد الحرب التقليدية.
ومن هنا يعود الإغراء القديم: إذا لم تكن القوة التقليدية كافية، فلنرفع أهمية الردع النووي، وربما الأسلحة النووية التكتيكية تحديدًا.
لكن ميرشايمر يرى أن هذه هي النقطة التي يجب عندها التوقف.
الوعد الكاذب
المشكلة في الأسلحة النووية التكتيكية أنها تبدو «صغيرة» مقارنة بالأسلحة الاستراتيجية، وبالتالي توحي بإمكانية استخدامها بصورة محدودة ومحسوبة.
لكن التاريخ الذي يستحضره ميرشايمر يقدم درسًا مختلفًا.
الأسلحة النووية التكتيكية لا تمنح بالضرورة وسيلة للانتصار في حرب تقليدية. بل قد تجعل الحرب نفسها أكثر خطورة، وتحول أي نزاع إقليمي إلى مواجهة قد تخرج عن السيطرة.
ولهذا فإن الوعد الذي تقدمه هذه الأسلحة — أنها تستطيع سد فجوة الضعف التقليدي وتحقيق النصر دون الوصول إلى حرب نووية شاملة — هو، في نظر ميرشايمر، «وعد زائف».
البديل، من وجهة نظره، ليس التخلي عن الردع النووي، بل وضعه في مكانه الصحيح: في الخلفية، كوسيلة ردع أخيرة، بينما تكون القوات التقليدية هي خط الدفاع الأول.
فإذا كانت المشكلة هي ضعف القدرة على خوض حرب تقليدية طويلة، فإن الحل ليس تحويل السلاح النووي إلى بديل عن القوة التقليدية، بل إعادة بناء القاعدة الصناعية والعسكرية التي تسمح للقوة التقليدية بأداء دورها.
وفي النهاية، تكمن المفارقة الكبرى في السلاح النووي: قوته الحقيقية لا تأتي بالضرورة من استخدامه، بل من الخوف مما قد يحدث إذا استُخدم.
وهذا هو الدرس الذي يرى ميرشايمر أن تاريخ العقيدة النووية الأمريكية يؤكده بوضوح: «كلما حاولت الدول تحويل السلاح النووي من أداة ردع إلى أداة حرب، أصبحت السيطرة على نتائج استخدامه أكثر صعوبة».
وقد يكون أخطر وهم استراتيجي هو الاعتقاد بأن بإمكاننا الدخول إلى حرب نووية «محدودة» ونحن نعرف مسبقًا أين ستتوقف.

التعليقات (0)
تعليقات
إرسال تعليق