لماذا لا تعطي روسيا أو باكستان إيران قنبلة نووية لردع أمريكا وإسرائيل؟

 



في خضم المواجهة المتصاعدة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يبرز سؤال يبدو للوهلة الأولى بديهيًا: إذا كانت روسيا وباكستان تمتلكان أسلحة نووية، وإذا كان الهدف هو منع واشنطن وتل أبيب من مهاجمة إيران، فلماذا لا تمنح إحداهما طهران عددًا محدودًا من الرؤوس النووية لتغيير قواعد اللعبة بشكل نهائي؟

ظاهريًا، تبدو الفكرة منطقية. فامتلاك إيران سلاحًا نوويًا سيجعل أي هجوم واسع عليها أكثر خطورة، وربما يدفع إسرائيل والولايات المتحدة إلى التفكير ألف مرة قبل شن حرب شاملة. لكن عند النظر إلى المسألة من زاوية استراتيجية أوسع، يتضح أن نقل رؤوس نووية إلى إيران قد يكون، بالنسبة إلى موسكو أو إسلام آباد، أسوأ بكثير من ترك إيران من دونها.

المعضلة هنا ليست في السؤال عما إذا كان السلاح النووي قادرًا على الردع، بل في من يتحمل كلفة إدخال دولة جديدة إلى النادي النووي، وماذا سيحدث في الساعات والأيام التالية لذلك؟

روسيا: لماذا لا تذهب موسكو إلى النهاية؟

روسيا هي الطرف الأكثر إثارة للاهتمام في هذه المعادلة. فهي تمتلك أحد أكبر الترسانات النووية في العالم، ولديها شراكة استراتيجية متقدمة مع إيران، كما أنها على خلاف متزايد مع الولايات المتحدة والغرب.

لكن ذلك لا يعني أن موسكو مستعدة لتسليم إيران قنبلة نووية.

السبب الأول هو أن روسيا ستنتقل، بمجرد القيام بهذه الخطوة، من تقديم الدعم العسكري والسياسي لإيران إلى رعاية عملية انتشار نووي مباشرة. وسيكون ذلك تغييرًا نوعيًا في طبيعة الصراع.

فإيران النووية ليست مجرد إيران أقوى عسكريًا. إنها إيران التي أصبحت قادرة على امتلاك قدرة تدميرية استراتيجية مستقلة. وهذا من شأنه أن يفتح أبوابًا لا تستطيع موسكو بالضرورة السيطرة عليها.

الأهم من ذلك أن روسيا قد تجد نفسها أمام معادلة خطيرة: إذا نقلت سلاحًا نوويًا إلى إيران ثم تعرضت تلك الأسلحة لهجوم إسرائيلي أو أمريكي، فهل ستدافع موسكو عنها؟ وهل يعني ذلك أن تدمير الأسلحة الإيرانية سيصبح سببًا لمواجهة مباشرة بين روسيا والولايات المتحدة؟

هنا تتحول المسألة من ردع إيران إلى احتمال خلق مواجهة بين القوى النووية الكبرى.

المفارقة: القنبلة قد تجعل الحرب أقرب، لا أبعد

أكبر مشكلة في فكرة تسليم إيران قنابل نووية هي أنها تفترض أن امتلاك السلاح سيجعل الخصم أكثر حذرًا. وهذا صحيح في بعض الحالات، لكنه ليس مضمونًا في كل الظروف.

تخيل أن واشنطن وتل أبيب علمتا بصورة مؤكدة بأن إيران حصلت فجأة على عدة رؤوس نووية من دولة أخرى.

بدل أن تقولا: "علينا تجنب الحرب"، قد يصل بعض صناع القرار إلى استنتاج معاكس تمامًا: يجب تدمير هذه القدرات الآن، قبل أن تصبح أكثر عددًا وأكثر انتشارًا وأصعب تدميرًا.

وبعبارة أخرى، قد تؤدي القنبلة في المدى القصير إلى زيادة دوافع الضربة الوقائية.

وهذه واحدة من أكثر المفارقات خطورة في الردع النووي: السلاح الذي يفترض أن يمنع الحرب يمكن، في مرحلة معينة، أن يجعل الأطراف أكثر استعجالًا لاستخدام القوة قبل أن تتغير موازين القوى.

باكستان: وضع مختلف وحسابات أكثر تعقيدًا

أما باكستان، فمعادلتها أكثر تعقيدًا.

ترسانة إسلام آباد النووية صُممت أساسًا لردع الهند، وليس لمواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل. وبالتالي، فإن إعطاء إيران رؤوسًا نووية يعني استخدام أصل استراتيجي طُوّر لاحتواء تهديد إقليمي محدد من أجل إعادة رسم توازن الشرق الأوسط.

لكن المخاطرة لا تتعلق بإيران وحدها.

باكستان نفسها ستواجه ضغوطًا هائلة إذا ثبت أنها سلمت سلاحًا نوويًا إلى دولة أخرى. وقد تجد نفسها أمام أزمة مع الولايات المتحدة، ومع قوى غربية، وربما أمام تداعيات استراتيجية واقتصادية طويلة الأمد.

كما أن إسلام آباد ليست في وضع يسمح لها بسهولة بالمغامرة بعلاقاتها الدولية من أجل خطوة قد تؤدي إلى إشعال سباق نووي في الشرق الأوسط.

ثم هناك عامل آخر: ماذا لو دفعت هذه الخطوة دولًا أخرى إلى طلب المعاملة نفسها؟

إذا أصبحت إيران دولة نووية بفعل نقل سلاح جاهز إليها، فقد تشعر السعودية أو تركيا أو مصر بأن ميزان القوى الإقليمي تغير بصورة لا يمكن تجاهلها. وعندها لن يكون السؤال: "كيف نردع إيران؟" بل "كيف نمنع الآخرين من امتلاك السلاح نفسه؟"

وهكذا يمكن أن تتحول قنبلة واحدة إلى بداية سباق تسلح إقليمي كامل.

هناك فرق بين إعطاء إيران القنبلة ومنحها مظلة ردع

هذه النقطة جوهرية.

ليس من الضروري أن تمتلك إيران سلاحًا نوويًا روسيًا حتى يصبح مهاجمتها أكثر خطورة.

يمكن لروسيا، نظريًا، أن تساعد طهران بوسائل أقل تصعيدًا بكثير: أنظمة دفاع جوي متطورة، أقمار صناعية واستطلاع، معلومات استخباراتية، تقنيات عسكرية، قدرات إنذار مبكر، حرب إلكترونية، صواريخ تقليدية، أو حتى دعم سياسي ودبلوماسي.

هذه الأدوات لا تحول إيران إلى دولة نووية، لكنها قد تجعل تكلفة مهاجمتها أعلى بكثير.

والأهم بالنسبة لموسكو أنها تتيح لها الاحتفاظ بمساحة من الغموض الاستراتيجي.

أما نقل رأس نووي فعلي، فيلغي هذا الغموض تقريبًا.

لماذا قد تفضّل روسيا "إيران القادرة على الاقتراب من القنبلة"؟

هنا تظهر منطقة أكثر إثارة للاهتمام: القدرة النووية الكامنة أو حالة العتبة النووية.

الدولة الموجودة على العتبة النووية ليست دولة تمتلك سلاحًا نوويًا معلنًا، لكنها تمتلك من التكنولوجيا والبنية التحتية والخبرة ما يجعلها قادرة، إذا اتخذت القرار السياسي، على التحرك بسرعة نحو إنتاج سلاح.

من وجهة نظر استراتيجية، قد يكون هذا الوضع أكثر ملاءمة لروسيا من تسليم إيران قنابل جاهزة.

فإذا كانت واشنطن وتل أبيب تعتقدان أن إيران يمكن أن تعود بسرعة إلى بناء قدرات نووية متقدمة، فإنهما تضطران إلى أخذ هذا الاحتمال في الحسبان. وفي الوقت نفسه، لا تكون موسكو قد تجاوزت أكثر الخطوط حساسية في نظام عدم الانتشار النووي.

بمعنى آخر، يمكن أن يكون الغموض أكثر ردعًا من الإعلان.

لكن لماذا لا تمنح روسيا إيران "مظلة نووية" صريحة؟

قد يبدو ذلك حلًا وسطًا: لا تسلمها القنابل، ولكن تعلن أن أي هجوم نووي على إيران سيعني تدخل روسيا.

المشكلة أن مثل هذه المظلة ستكون مكلفة جدًا سياسيًا واستراتيجيًا.

هل ستدافع موسكو فعلًا عن إيران إذا اندلعت حرب؟ ومتى؟ وإلى أي حد؟ وهل ستخوض مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعًا عن دولة أخرى؟

بمجرد أن تعطي روسيا هذا التعهد بشكل رسمي، تصبح مصداقيتها مرتبطة بتنفيذه. وإذا تراجعت عنه، خسرت الردع. وإذا نفذته، قد تنزلق إلى مواجهة بين قوتين نوويتين.

لذلك يبقى الغموض مرة أخرى أكثر أمانًا.

إسرائيل نفسها تضيف عاملًا آخر إلى المعادلة

هناك سبب آخر يجعل روسيا وباكستان أكثر حذرًا: إسرائيل نفسها.

إسرائيل تتبنى منذ عقود سياسة تقوم على الحفاظ على تفوق عسكري نوعي، مع إبقاء ترسانتها النووية خارج إطار الاعتراف الرسمي. وإذا حصلت إيران على سلاح نووي بشكل واضح ومباشر، فقد تعتبر إسرائيل أن التوازن الاستراتيجي في المنطقة قد تغير بصورة لا يمكن السماح بها.

وهذا قد يقود إلى سباق تصعيد لا يعرف أحد أين ينتهي.

إيران ستسعى إلى مزيد من الرؤوس. السعودية قد تبحث عن بدائل. تركيا قد تعيد حساباتها. ومصر قد ترى أن ميزان الردع الإقليمي يتغير.

وكلما زاد عدد اللاعبين النوويين، زادت احتمالات سوء التقدير والحسابات الخاطئة والحوادث والأزمات.

المفارقة الكبرى

في النهاية، تبدو المسألة كأنها مفارقة استراتيجية كاملة.

إيران تريد ردع الولايات المتحدة وإسرائيل.

روسيا تريد منع انهيار إيران تحت الضغط الأمريكي والإسرائيلي، لكنها لا تريد أيضًا خلق أزمة نووية قد تجرها مباشرة إلى مواجهة مع واشنطن.

باكستان قد تتعاطف مع أمن إيران ومصالحها الإقليمية، لكنها لا تريد تحويل ترسانتها النووية، التي أنشأتها أساسًا لردع الهند، إلى أداة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.

ولهذا فإن أكثر الخيارات منطقية بالنسبة إلى موسكو وإسلام آباد ليس بالضرورة إعطاء إيران القنبلة، بل مساعدتها على أن تصبح دولة يصعب إخضاعها عسكريًا، مع إبقاء احتمالات التصعيد النووي في منطقة رمادية.

وفي عالم الردع النووي، قد تكون هذه المنطقة الرمادية هي المكان الأكثر أمانًا للجميع.

فالقوة لا تأتي دائمًا من امتلاك السلاح، بل أحيانًا من جعل الخصم غير متأكد تمامًا من مدى قدرتك على الوصول إليه، ومن الثمن الذي قد يدفعه إذا قرر اختبار حدودك.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: القنبلة النووية قد تمنح إيران ردعًا هائلًا على المدى الطويل، لكنها قد تجعلها أيضًا هدفًا أكثر إلحاحًا على المدى القصير.

ولهذا قد ترى روسيا وباكستان أن أفضل طريقة لحماية إيران ليست إعطاؤها السلاح الذي يغيّر قواعد اللعبة، بل مساعدتها على بناء قدرة عسكرية واستراتيجية تجعل أعداءها غير قادرين على تحمل تكلفة محاولة إسقاطها.

شارك هذا المقال

→ المقال التالي المقال السابق ←

التعليقات (0)

تعليقات