قراءة في تحليل جون ميرشايمر لمسار الحرب الأمريكية على إيران
في تحليل جديد
نشره على قناته على يوتيوب في مطلع أغسطس 2026، يعود عالم
السياسة الأمريكي جون ميرشايمر، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شيكاغو، ليؤكد ما
ظل يكرره منذ أشهر: أن الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير 2026 انتهت عمليًا بهزيمة
أمريكية، وأن الوقت حان أمام الرئيس دونالد ترامب للاعتراف بذلك بدل مواصلة البحث
عن مخرج عسكري غير موجود.
يبني ميرشايمر
تحليله على مقارنة صريحة بين الأهداف التي أعلنتها واشنطن عشية الحرب والنتائج
الفعلية على الأرض بعد نحو خمسة أشهر من القتال.
الأهداف الأربعة التي تبخرت
يذكّر ميرشايمر
بأن الإدارة الأمريكية، ومعها إسرائيل، دخلت الحرب بأربعة أهداف: إسقاط النظام في
طهران، باعتباره الهدف الأهم الذي كان من المفترض أن يمهّد لتحقيق البقية؛ تجريد
إيران من قدرتها على تخصيب اليورانيوم؛ تدمير برنامجها للصواريخ الباليستية بعيدة
المدى؛ ودفعها إلى وقف دعمها لحركات المقاومة في المنطقة، حماس وحزب الله
والحوثيين.
بعد خمسة أشهر،
لم يتحقق أي من هذه الأهداف. بل إن الوضع، بحسب ميرشايمر، ازداد سوءًا بالنسبة
لواشنطن: إيران تسيطر اليوم على مضيق هرمز وتغلقه متى شاءت، والقواعد الأمريكية في
الخليج تعرّضت لأضرار جسيمة، وتحالف واشنطن مع دول الخليج بات في حالة تفكك. أما الاقتصاد
العالمي فيواجه خطر ركود شامل بسبب اضطراب الملاحة في ممرٍ يمر عبره نحو خمس
إمدادات النفط والغاز في العالم. والمستفيد الأكبر من كل ذلك، بحسب ميرشايمر، هو
الصين، الخصم الأول الذي حددته إدارة ترامب نفسها.
مذكرة يونيو: وثيقة استسلام
يستشهد ميرشايمر
بمذكرة التفاهم التي وقعها ترامب مع إيران في 17 يونيو 2026 كدليل على حجم
التنازلات الأمريكية. فبموجب الاتفاق، وافقت واشنطن على وقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز أولًا،
ثم الدخول في مفاوضات لستين يومًا حول الملف النووي، مع تسليم مسبق بأن إيران
ستحتفظ بقدرتها على التخصيب. أضف إلى ذلك الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة،
ودفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بإيران خلال الحرب، والسماح لطهران ببيع نفطها
بحرية في الأسواق العالمية دون قيود العقوبات. يخلص ميرشايمر
إلى أن واشنطن تنازلت عمليًا عن كل نقطة خلافية كانت مطروحة، فيما لم تتنازل إيران
عن شيء يُذكر.
خمس استراتيجيات، ثلاث فاشلة واثنتان مستبعدتان
يقترح ميرشايمر
إطارًا لفهم مسار الحرب عبر خمس استراتيجيات عسكرية كانت متاحة أمام واشنطن: حملة جوية "انتقائية" تتجنب البنية
التحتية المدنية، وحملة جوية "شاملة" تستهدف كل شيء
بما فيها الجسور ومحطات الكهرباء والتحلية، ومبادلات محدودة على طريقة "ضربة مقابل ضربة"، وحصار بحري،
وأخيرًا خيار بري يشمل غزو الأراضي الإيرانية أو جزرها.
من هذه الخيارات
الخمسة، لم تجرّب واشنطن سوى ثلاثة، وفشلت في كل واحد منها. فالحملة الجوية
الانتقائية استمرت أربعين يومًا (28 فبراير – 8 أبريل 2026)، وضربت أكثر من 13 ألف هدف بحسب
التقديرات، لكنها لم تدفع طهران إلى الاستسلام، بل أظهرت إيران قدرة كبيرة على
الرد وإلحاق أضرار بالقواعد الأمريكية وبحلفاء واشنطن في الخليج وبإسرائيل نفسها. ومع اقتراب نفاد
الذخيرة الأمريكية، وسط تهديدات ترامب في 7 أبريل بـ"إعادة إيران إلى
العصر الحجري"، أعلن الرئيس فجأة وقفًا لإطلاق النار في اليوم التالي بدل التصعيد.
بعد فشل مفاوضات
إسلام أباد بين نائب الرئيس جيه دي فانس والمسؤولين الإيرانيين في أبريل، انتقلت
واشنطن إلى حصار بحري لمضيق هرمز استمر من 13 أبريل إلى 17 يونيو. لكن الحصارات،
كما يذكّر ميرشايمر، تحتاج عادة أشهرًا إن لم يكن سنوات لتركيع دولة بحجم إيران،
فجاء حصار الشهرين عديم الجدوى وانتهى بتوقيع مذكرة التفاهم.
غير أن ترامب لم
يلتزم بما وقّعه، إذ بدأت واشنطن مطلع يوليو خرق المادة الخامسة من الاتفاق التي
تُقرّ بسيطرة إيران على المضيق خلال فترة التفاوض، عبر إنشاء ممر بديل بالتعاون مع
سلطنة عُمان. ردّت إيران باستهداف السفن المارّة عبر ذلك الممر، فدخل الطرفان في تبادل
ضربات محدود استمر من 7 إلى 31 يوليو، دون أن
يغيّر ذلك موازين الحرب.
لماذا استُبعد الخياران المتبقيان؟
يفسّر ميرشايمر
عدم لجوء واشنطن إلى الحملة الجوية الشاملة أو الخيار البري بغياب ما يسميه "التفوق التصعيدي". فأي تصعيد أمريكي
إلى استهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية سيقابله رد إيراني مماثل يطال محطات
التحلية والمنشآت النفطية في دول الخليج وإسرائيل، وهو ما يهدد الاقتصاد العالمي
بأسره، وثمنٌ لا يستطيع ترامب تحمّله سياسيًا. أما الخيار
البري، فيتطلب فرض السيطرة على مضيق هرمز وحده أكثر من مئة ألف جندي، بينما لم يكن
لواشنطن في المنطقة أكثر من نحو ثمانية آلاف جندي قتالي، عددٌ لا يكفي حتى لاحتلال
جزيرة إيرانية واحدة، ناهيك عن أن مثل هذه الخطوة لن تغيّر شيئًا في نتيجة الحرب
حتى لو نجحت.
لا خيار عسكري متبقٍ
خلاصة ميرشايمر
أن واشنطن استنفدت الاستراتيجيات الثلاث القابلة للتطبيق وفشلت في كل منها، بينما
الاستراتيجيتان المتبقيتان غير قابلتين للتنفيذ سياسيًا وعسكريًا. وهذا ما يجعل ما
جرى مؤخرًا، حين هدّد ترامب مجددًا أواخر يوليو بالتصعيد الشامل قبل أن يتراجع في
الأول من أغسطس ويدعو إلى العودة إلى التفاوض، تكرارًا للنمط نفسه الذي شهدته
الحرب في أبريل: تهديد بالتصعيد، ثم تراجع نحو وقف إطلاق النار.
ويحذّر ميرشايمر
من أن الجولة التفاوضية المقبلة ستكون أصعب من سابقتها، ذلك أن طهران "أكثر وعيًا من أي
وقت مضى بأنها في مقعد القيادة"، وأن ترامب في ورطة سياسية تجعله بحاجة
ماسة إلى اتفاق. وهو ما يمنح إيران أوراق ضغط أكبر للحصول على شروط أفضل من تلك التي حصلت
عليها في مذكرة يونيو. ويرى ميرشايمر أن ترامب كان سيحصل على تسوية أفضل لو بادر إلى إنهاء
الحرب فور وقف إطلاق النار في أبريل، أو التزم بما وقّعه في يونيو بدل محاولة
الالتفاف عليه.
يختم ميرشايمر
تحليله بالقول إن ترامب لا يملك أي استراتيجية عسكرية قادرة على قلب الموقف، وأن
الحرب التي أطلقها في 28 فبراير كانت محكومًا عليها بالفشل منذ البداية،
بحسب تقديره. أمامه، في النهاية، خيار واحد لا ثاني له: طاولة التفاوض،
وإن كانت الشروط هذه المرة أثقل وطأة مما كانت عليه في يونيو.
فيديو تحليل جون ميرشايمر لمسار الحرب الأمريكية على إيران في اليوتيوب:

التعليقات (0)
تعليقات
إرسال تعليق