الهايبرغامي - كيف حوّلته ثقافة الحبة الحمراء إلى أيديولوجيا رقمية.





 في السنوات الأخيرة، تحوّل مصطلح "الهايبرغامي" (Hypergamy) من عبارة أكاديمية ضيّقة الاستخدام إلى مادة خام لآلاف المقاطع القصيرة والمنشورات التي تعِد بفضح "الحقيقة الخفية" وراء سلوك النساء في المواعدة. رسوم بيانية ملوّنة، ومصطلحات شبه علمية من قبيل "قيمة السوق الجنسية"، وتصنيفات مثل ألفا وبيتا وأوميغا، تُقدَّم على أنها علم مؤكَّد لا يقبل الجدل. لكن خلف هذا الركام من الرسوم والمصطلحات تختبئ قصة أعقد بكثير: كيف انتقل مفهوم أنثروبولوجي محدود من الأدبيات العلمية إلى أيديولوجيا رقمية تغذّيها الخوارزميات، وماذا يكشف هذا الانتشار عن علاقتنا بالوحدة والهوية الذكورية وسوق المواعدة الرقمي؟

من الهند إلى الإنترنت

كلمة "هايبرغامي" وُلدت في حقل الأنثروبولوجيا لوصف ظاهرة محدَّدة جدا: زواج المرأة من رجل ينتمي إلى طبقة اجتماعية أو طائفة أعلى، كما هو الحال في بعض الأنظمة الطبقية بجنوب آسيا. المصطلح، بهذا المعنى الأصلي، لا علاقة له بالانجذاب العابر أو بسلوك المواعدة العام؛ إنه مرتبط حصريا بمؤسسة الزواج وبنية الطبقات الاجتماعية، درسه أنثروبولوجيون من أمثال كلود ليفي-ستروس ضمن أبحاثهم عن أنظمة القرابة والزواج.

استعارت منتديات الإنترنت المبكرة، منذ منتصف العقد الأول من الألفية، هذا المصطلح الأكاديمي ووسّعته ليشمل كل أشكال "تفضيل المرأة للرجل الأعلى مكانة"، في المواعدة العابرة كما في الزواج. لم يكن هذا التوسيع بريئا: الكلمة بدت "علمية" بما يكفي لإضفاء شرعية أكاديمية على خطاب لم يكن في الأصل سوى تعميم شعبي، بينما كان الباحثون الفعليون في علم النفس التطوري يتحدثون عن شيء مختلف نوعا ما: "تفضيلات الشريك" و"استراتيجيات اكتساب الموارد"، لا عن "الهايبرغامي" بحد ذاتها.

ما الذي يقوله البحث العلمي فعلا؟

الدراسة الأكثر استشهادا في هذا المجال تعود إلى عالم النفس ديفيد باس عام 1989، حين قارن تفضيلات الشريك لدى الجنسين في 37 ثقافة مختلفة، ووجد أن النساء، في المتوسط، يمنحن وزنا أكبر لعامل الموارد والمكانة، بينما يمنح الرجال وزنا أكبر لعامل الشباب والمظهر. لكن الكلمة المفتاحية هنا هي "في المتوسط": الفروق المسجَّلة صغيرة نسبيا، والتداخل بين الجنسين واسع جدا، والدراسة تقيس تفضيلات مُصرَّحا بها في استبيانات، لا سلوكا فعليا في الواقع.

هذه النقطة الأخيرة تحديدا هي ما يهزّ الهرم الذي بُني على هذه الأبحاث: الفجوة بين ما يقوله الناس إنهم يريدونه وبين من يختارونه فعلا واسعة وموثَّقة جيدا في الأدبيات العلمية. كما أن أغلب هذه الدراسات أُجريت على عيّنات من مجتمعات غربية متعلمة وصناعية وثرية وديمقراطية، وهو ما يحدّ من قابليتها للتعميم. علماء الأنثروبولوجيا يضيفون تحفظا آخر: التطور البشري لم يقم فقط على نموذج "الرجل المعيل"، بل اعتمد بشكل كبير على التربية التعاونية داخل الجماعة والأقارب، ما يجعل الاعتماد الحصري على مكانة الشريك الذكر تفسيرا مبسّطا لظاهرة معقّدة متعددة العوامل.

من الرسم البياني إلى الأيديولوجيا

في هذا الفراغ بين علم متحفّظ ونتائج معقّدة، نشأت منظومة موازية كاملة: منتديات "فن الإغواء" في العقد الأول من الألفية، ثم مجتمعات "الحبة الحمراء" على الإنترنت لاحقا، بنت جهازا مفاهيميا شبه علمي بالكامل: "قيمة السوق الجنسية"، هرمية ألفا-بيتا-أوميغا، و"قاعدة الثمانين إلى عشرين" التي تزعم أن 80 بالمئة من النساء ينجذبن إلى 20 بالمئة فقط من الرجال. هذه المفاهيم تُعرض عادة برسوم بيانية ملوّنة لا مصدر علمي موثوق لها، غالبا ما تكون مقتطعة من مدوّنات فردية أو من بيانات مواقع مواعدة قُرئت خارج سياقها الإحصائي.

الأخطر أن هذا الخطاب يُقدَّم بلغة "الحقيقة الممنوعة" التي يخفيها الإعلام التقليدي، وهي بنية سردية تجعل أي نقد له مؤامرة إضافية تؤكد "صحته" بدل أن تدحضه.

الخوارزمية لا تنام

لم يعد هذا الخطاب هامشيا. تجارب بحثية حديثة أنشأت حسابات وهمية تحاكي مراهقين ذكورا على تيك توك ويوتيوب شورتس، فوجدت أن الخوارزميات توجّههم نحو محتوى "المانوسفير" خلال دقائق معدودة من التصفح السلبي. استطلاع أمريكي أُجري عام 2025 على أكثر من ألف مراهق وجد أن نحو 73 بالمئة منهم يتعرّضون بانتظام لمحتوى مرتبط بـ"الذكورة"، وأن ربعهم تقريبا يتعرّض له بكثافة عالية، مع ارتباط ملحوظ بين هذا التعرّض المكثّف وتراجع تقدير الذات لدى المراهقين. ظهرت من رحم هذا المشهد شخصيات "ريادية" حوّلت هذا الخطاب إلى نموذج تجاري مربح عبر الدورات التدريبية والاشتراكات المدفوعة، أبرزها أندرو تيت، الذي يواجه حاليا اتهامات بالاغتصاب والاتجار بالبشر وغسل الأموال (وينفيها)، دون أن يمنعه ذلك من الاحتفاظ بجمهور واسع بين المراهقين الذكور حول العالم.

حين تتحول الكلمات إلى عنف

في أقصى تجلّياته، لا يبقى هذا الخطاب حبرا على ورق. الأبحاث الأكاديمية التي تتبّعت "مسارات التطرف" داخل هذا الفضاء الرقمي تشير إلى أنه يستقطب شبانا يعانون هشاشة نفسية واجتماعية حقيقية، ثم يحوّل إحباطهم الفردي إلى عداء أيديولوجي منظّم تجاه النساء. الحادثة الأكثر توثيقا في هذا السياق تعود إلى عام 2014، حين قتل شاب أمريكي ستة أشخاص في مدينة إيسلا فيستا الأمريكية، بعد أن ترك خلفه بيانا مطوَّلا مشبعا بالغضب من رفضه الجنسي والعاطفي. أصبحت هذه الحادثة، للأسف، مرجعا يُستحضر في بعض زوايا منتديات "العزوبة القسرية" على الإنترنت، وهو ما دفع باحثين ومنصات رقمية إلى التعامل مع هذا الخطاب باعتباره خطر تطرّف حقيقي لا مجرد "سخرية شبابية".

خاتمة: لا حبّة حمراء ولا حبّة زرقاء

شعار "البصيرة" هو "التحليل لا الانفعال"، وهذا الموضوع تحديدا يستدعي هذا المبدأ أكثر من أي وقت. رفض الخطاب الزائف لـ"الهايبرغامي" لا يعني إنكار وجود مشقّات حقيقية في سوق المواعدة الرقمي: تطبيقات المواعدة، ووحدة متصاعدة بين الشباب، وضغوط اقتصادية تجعل تكوين أسرة تحدّيا فعليا. لكن تحويل هذه المشقّات الحقيقية إلى أيديولوجيا معادية للنساء، مغلّفة بلغة علمية زائفة ومضخَّمة بخوارزميات لا تكترث سوى بالتفاعل، ليس حلا بل مصدر أذى إضافي، لمن يستهلك هذا المحتوى ولمن يتوجّه إليه عداؤه على حد سواء. القراءة النقدية، لا الابتلاع الأعمى لأي "حبّة"، تبقى السبيل الوحيد لفهم هذه الظاهرة كما هي: منتج رقمي بمنطق تجاري، لا حكمة أزلية عن طبيعة البشر.

شارك هذا المقال

→ المقال التالي المقال السابق ←

التعليقات (0)

تعليقات