لماذا لم يعد الأطفال أطفالًا؟

 



كان الطفل في الماضي يريد لعبة جديدة، دراجة، كرة، أو ربما جهاز ألعاب يقضي به بعض الوقت. أما اليوم، فقد أصبح من الطبيعي أن نرى أطفالًا في الثامنة أو التاسعة يتحدثون عن العناية بالبشرة، والعطور، ومستحضرات التجميل، ويطلبون الهواتف الذكية والنظارات الذكية، بل ويحلم بعضهم بأن يصبحوا مؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي.

المشكلة ليست في منتج بعينه، ولا في أن يهتم الطفل بنظافته أو مظهره. السؤال الأعمق هو: متى بدأ الأطفال يتصرفون كأنهم بالغون قبل أوانهم؟

طفل في الثامنة... وروتين تجميلي كامل

تنتشر على منصات مثل تيك توك مقاطع لأطفال صغار يعرضون منتجات العناية بالبشرة والعطور ومستحضرات التجميل. وفي إحدى الحالات، تتحدث أم عن شراء مستحضرات مكياج لابنتها البالغة من العمر ثماني سنوات، بينما تظهر مقاطع أخرى لأطفال يتابعون محتوى مخصصًا في الأصل للبالغين.

وبالنسبة لبعض الفتيات، لم يعد الأمر مقتصرًا على مرطب أو مرطب شفاه بسيط. فقد أصبحت منتجات مثل السيرومات والأحماض والريتينول جزءًا من المحتوى الذي يشاهدنه، رغم أن بعض هذه المنتجات مصمم لبشرة البالغين وليس الأطفال.

وقد أدى تقليد هذه الاتجاهات إلى حالات تعرض فيها أطفال لمشكلات جلدية بعد استخدام منتجات قوية لا تناسب أعمارهم. وهنا تظهر المفارقة: الطفل الذي كان من المفترض أن يقضي وقته في اللعب أصبح منشغلًا بمحاولة الحصول على "البشرة المثالية".

والأولاد أيضًا دخلوا اللعبة



قد يبدو للوهلة الأولى أن ظاهرة "أطفال سيفورا" مرتبطة بالفتيات فقط، لكنها في الواقع تمتد إلى الأولاد أيضًا، وإن كانت المنتجات مختلفة.

فمحتوى "تحسين المظهر" و"تعظيم الشكل" أصبح يجذب عددًا متزايدًا من الأولاد. العطور، منتجات الاستحمام، العناية بالبشرة، الأحذية والملابس أصبحت جزءًا من قائمة رغباتهم.

هناك أطفال في العاشرة أو الحادية عشرة يمتلكون مجموعات عطور قد تتجاوز ما يمتلكه بعض الرجال البالغين. كما تنتشر مقاطع تقدم للأولاد روتينات كاملة للنظافة والعناية بالمظهر، وتحوّل هذه الأمور من مجرد عادات بسيطة إلى مشروع يومي يحتاج إلى مجموعة متزايدة من المنتجات.

وهنا تظهر قوة التسويق. فالطفل لا يُباع له المنتج باعتباره مجرد صابون أو عطر، وإنما باعتباره جزءًا من هويته وصورته أمام الآخرين.

من طفل إلى مستهلك

ربما يكون الجانب الأكثر إثارة للقلق في هذه الظاهرة هو تحول الأطفال إلى مستهلكين صغار.

في السابق، كانت ألعاب الأطفال هي الهدف الرئيسي لشركات الألعاب. لكن سوق الألعاب نفسه يشهد تحولًا، وفقا لبعض الدراسات، مع تزايد أهمية المستهلكين البالغين الذين يشترون منتجات مثل بطاقات بوكيمون، وقطع ليغو، ومنتجات مرتبطة بالأفلام والشخصيات الشهيرة.

وفي المقابل، أصبح الأطفال أنفسهم جزءًا من سوق استهلاكية ضخمة تشمل مستحضرات التجميل والعطور والأكواب والمنتجات الإلكترونية وغيرها.

والأمر لا يتوقف عند رغبة الطفل في شراء شيء جديد؛ بل إن منصات التواصل الاجتماعي تجعل الطفل يرى المنتجات باستمرار. المؤثر يستخدم منتجًا، ثم يجرّبه طفل آخر، ثم يظهر إعلان، ثم يصبح المنتج فجأة شيئًا "ضروريًا".

وهكذا تتحول الرغبة إلى حاجة مصطنعة.

الهاتف الذكي... بوابة إلى عالم لا ينتهي

من أكثر الأمثلة وضوحًا على تغير طفولة اليوم انتشار الهواتف الذكية بين الأطفال في سن مبكرة جدًا.

 تتحدث إحدى الأمهات عن منح ابنتها هاتفًا ذكيًا، بعدما كانت تخطط في البداية لشرائه لها عندما تبلغ التاسعة، ثم أصبح العمر سبع سنوات، قبل أن ينتهي الأمر بمنحها الهاتف في وقت أبكر.



قد يبدو الهاتف وسيلة مريحة للتواصل، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول إلى بوابة مفتوحة لاستهلاك المحتوى.

فالطفل الذي يمتلك هاتفًا لا يملك مجرد جهاز اتصال؛ بل يمتلك إمكانية الوصول المستمر إلى عالم المؤثرين والإعلانات والاتجاهات الجديدة. وكلما شاهد محتوى أكثر، ظهرت أمامه رغبات جديدة.

الأطفال الذين يريدون أن يصبحوا مؤثرين



ربما يكون أحد أكثر التحولات وضوحًا هو تغير أحلام الأطفال.

كان الطفل يحلم بأن يصبح طبيبًا، أو مهندسًا، أو رائد فضاء، أو لاعب كرة قدم. أما اليوم، فإن حلم "أن تصبح مؤثرًا" أصبح حاضرًا بقوة.

 استطلاعات بين طلاب المدارس المتوسطة والثانوية بين عامي 2021 و2024، أظهرت أن أكثر من 60% من الأطفال يرغبون في أن يصبحوا مؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي.

ومن السهل فهم السبب.

فالطفل يرى مؤثرين يحصلون على منتجات مجانية، ويسافرون، ويعرضون حياتهم أمام ملايين الأشخاص، ويتحدثون عن الأموال التي يكسبونها. ومن وجهة نظر طفل، يبدو الأمر كأنه أفضل وظيفة في العالم.

لكنه لا يرى الجانب الآخر: العمل المستمر، الضغط النفسي، المنافسة، فقدان الخصوصية، وعدم ضمان النجاح.

ماذا يحدث عندما يختفي الملل؟

من الأفكار المهمة التي يطرحها الفيديو أن الاستخدام غير المحدود للإنترنت قد يغير قدرة الأطفال على التعامل مع الملل.

فالطفل الذي اعتاد أن يجد محتوى جديدًا كل بضع ثوانٍ قد يجد صعوبة في الجلوس دون شاشة. وقد يفقد بعض الأطفال القدرة على ابتكار ألعابهم الخاصة، أو الرسم، أو اختراع القصص والأنشطة من خيالهم.

حتى عندما يريد الطفل معرفة شيء ما، أصبح من السهل أن يطلب من محرك البحث أو الذكاء الاصطناعي أن يقدم له الإجابة أو المثال بدلًا من محاولة التفكير بنفسه.

الملل، رغم أنه يبدو أمرًا سلبيًا، كان جزءًا أساسيًا من الطفولة. فمن خلاله كان الطفل يخترع، ويتخيل، ويجرب، ويتفاعل مع أطفال آخرين.

لكن هل اللوم يقع على الأطفال؟

بالتأكيد لا.

الطفل لا يقرر وحده امتلاك هاتف ذكي. ولا يستطيع الذهاب بمفرده إلى متجر مستحضرات التجميل، ولا إنشاء حساب على منصة اجتماعية دون مساعدة أو موافقة من الكبار.

الأطفال يقلدون ما يرونه.

إذا رأى الطفل والدته تستخدم منتجات العناية بالبشرة يوميًا، فمن الطبيعي أن يرغب في تقليدها. وإذا شاهد المؤثرين طوال اليوم، فمن الطبيعي أن يتمنى امتلاك ما لديهم.

المشكلة إذن ليست في الطفل، وإنما في البيئة التي أصبح ينشأ داخلها.

فالوالدان، والمنصات، والشركات، والمؤثرون، جميعهم جزء من هذه المعادلة.

عندما يصبح الطفل "عميلًا مدى الحياة"

الشركات بدورها أدركت أن الأطفال يمكن أن يكونوا سوقًا مربحة.

 تحولت بعض شركات العناية بالبشرة إلى إنتاج خطوط مخصصة للأطفال بعد ملاحظة تزايد حضورهم في متاجر مستحضرات التجميل.

ومن هنا تظهر فكرة خطيرة: عندما تنظر الشركة إلى طفل في الخامسة أو السابعة، قد لا تراه فقط كطفل، بل كـ مستهلك محتمل طويل الأمد.

وكلما بدأ الاستهلاك في سن أصغر، أصبح من الممكن بناء عادات شرائية تستمر لسنوات.

لهذا السبب لا ينبغي النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها مجرد "ترند" عابر على تيك توك، بل باعتبارها تغيرًا أوسع في الطريقة التي يتعامل بها الأطفال مع أنفسهم ومع العالم من حولهم.

ربما ما زال بإمكاننا إنقاذ الطفولة

المفارقة أن الجيل الذي عاش طفولة قبل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي يعرف بالضبط ما الذي يفقده الأطفال اليوم.

طفولة مليئة باللعب، والتراب، والدراجات، والملل، والأصدقاء، والخيال، والألعاب البسيطة.

ليست المشكلة في التكنولوجيا نفسها، ولا في أن يستخدم الطفل الهاتف أحيانًا، أو يهتم بنظافته ومظهره. المشكلة تبدأ عندما تصبح الشاشة بديلًا عن اللعب، ويصبح الاستهلاك بديلًا عن الخيال، ويصبح تقليد المؤثرين بديلًا عن اكتشاف الطفل لذاته.

وفي النهاية، الأطفال لم يتغيروا وحدهم؛ العالم المحيط بهم هو الذي تغير.

هم ما زالوا يريدون أن يقلدوا من يحبون، وأن يجربوا الأشياء الجديدة، وأن يشعروا بأنهم جزء من المجموعة. لكن هذه المرة، هناك خوارزميات وشركات تسويق ومؤثرون يعرفون تمامًا كيف يحولون هذه الرغبات الطبيعية إلى استهلاك.

ولهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: "لماذا لم يعد الأطفال أطفالًا؟"

بل: هل ما زال الكبار مستعدين لمنحهم فرصة ليكونوا أطفالًا؟

شارك هذا المقال

→ المقال التالي المقال السابق ←

التعليقات (0)

تعليقات