لماذا يعجز جيل "Z" عن إطلاق ثورة؟

 


في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، سقط جدار برلين، أحد أقوى رموز الانقسام السياسي في القرن العشرين. لم يكن سقوطه نتيجة قرار مفاجئ من حكومة ألمانيا الشرقية فحسب، بل جاء بعد أشهر من الاحتجاجات الجماهيرية، ولا سيما التظاهرات الأسبوعية في مدينة لايبزيغ، حيث طالب مئات الآلاف بحرية السفر وإصلاحات ديمقراطية. ومع تصاعد الضغط الشعبي، فقدت السلطة قدرتها على احتواء الشارع، وانتهى الأمر بفتح المعابر، ثم بتفكيك أجزاء الجدار وانهيار النظام.

لكن ماذا لو كان جيل اليوم، رغم امتلاكه أدوات تواصل لم تكن متاحة لأي جيل سابق، أقل قدرة على إحداث تغيير جذري؟

هذه هي المفارقة التي يطرحها الفيديو الذي يستند إليه هذا المقال: جيل Z يعيش في عصر يستطيع فيه أي شخص نشر قضية والوصول إلى ملايين الناس خلال ساعات، لكنه في الوقت نفسه يبدو أكثر إنهاكًا وتشتتًا وعجزًا عن تحويل الغضب إلى فعل جماعي منظم.

من «الخبز والسيرك» إلى «التمرير بلا نهاية»

منذ أكثر من ألفي عام، استخدم الشاعر الروماني جوفينال تعبير «الخبز والسيرك» لوصف الطريقة التي يمكن من خلالها إلهاء الجماهير بالطعام والترفيه، بحيث تنشغل عن القضايا السياسية والاجتماعية الكبرى. وفي روما القديمة، كانت العروض العامة والمسابقات وتوزيع الحبوب وسائل لإرضاء السكان وتقليل احتمالات الاضطراب.

بعد قرون، حذّر المفكر البريطاني "ألدوس هكسلي" من خطر آخر أكثر حداثة: مجتمع لا يحتاج إلى قمع مواطنيه بالقوة، لأنهم قد يصبحون مشغولين بالترفيه إلى درجة يفقدون معها الرغبة والقدرة على التفكير والمواجهة.

كان "هكسلي" يرى أن بعض أشكال الترفيه الحديثة أصبحت أكثر سلبية وأقل حاجة إلى المشاركة الفكرية. أما اليوم، فقد وصل هذا الاتجاه إلى مستوى غير مسبوق مع الهاتف الذكي، الذي جمع في جهاز واحد الأخبار، والألعاب، والموسيقى، ومواقع التواصل، والفيديوهات القصيرة، والمحتوى الجنسي، وغيرها من وسائل الهروب من الواقع.

المشكلة هنا ليست أن الترفيه سيئ في حد ذاته. فالإنسان احتاج دائمًا إلى الراحة واللعب والفن والهروب المؤقت من ضغوط الحياة. المشكلة تبدأ عندما يتحول الترفيه إلى هروب دائم يمنع الإنسان من مواجهة مشكلاته بدلًا من أن يساعده على استعادة طاقته.

نحن نعرف أن العالم سيئ… لكننا لا نفعل شيئًا

تقدم وسائل التواصل الاجتماعي كمية هائلة من الأخبار السلبية. والخوارزميات، التي تستفيد من جذب الانتباه، قد تدفع المستخدم إلى مشاهدة المزيد من المحتوى المثير للخوف والغضب والقلق.

وهكذا تتشكل دائرة مغلقة: يرى الشخص أخبارًا سيئة، يشعر بالعجز، يتحدث مع أصدقائه عن مدى سوء العالم، ثم يعود إلى الهاتف بحثًا عن المزيد من المحتوى. ومع مرور الوقت، يصبح الشعور بأن «كل شيء ينهار» جزءًا من الحالة النفسية اليومية.

المفارقة أن الإفراط في التعرض للأخبار قد لا يجعل الإنسان أكثر استعدادًا للفعل، بل أكثر عجزًا عنه.

فعندما يرى الإنسان مئات الكوارث والأزمات يوميًا، من الصعب أن يتعامل مع أي واحدة منها باعتبارها مشكلة يمكنه التأثير فيها. العالم يصبح أكبر من قدرته على الاستيعاب، وبالتالي يصبح الاستسلام أسهل من المقاومة.

المشكلة ليست نقص الغضب… بل التخدّر

ربما يكون جيل Z غاضبًا بالفعل.

الغضب موجود تجاه ارتفاع الأسعار، وأزمة السكن، وظروف العمل، والديون، وتراجع القدرة الشرائية، والإرهاق النفسي، ومستقبل غامض. لكن الغضب وحده لا يكفي.

أحيانًا نحن نحتاج  إلى مساحة من الصمت حتى نفهم لماذا نحن غاضبون أصلًا.

عندما يتوقف الإنسان عن ملء كل لحظة فراغ بالـTikTok أو Instagram أو الألعاب أو البودكاست أو التصفح المستمر، يبدأ عقله في معالجة المشكلات التي كان يهرب منها. وقد يكتشف أن بعض الأمور التي بدت مستحيلة لها أسباب محددة، وبالتالي يمكن البحث عن حلول محددة لها.

بمعنى آخر، قد تكون أول خطوة نحو التغيير هي استعادة القدرة على التفكير دون تشتيت مستمر.

عندما تصبح المقاومة «كِرينج»

هناك مشكلة أخرى: وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الاحتجاج نفسه عرضة للسخرية.

أصبح نشر صورة عن قضية سياسية أو اجتماعية يُتهم أحيانًا بأنه مجرد محاولة للظهور بمظهر الشخص الأخلاقي أو «التعبير عن الفضيلة». وبالتأكيد توجد حالات حقيقية من هذا النوع، لكن المشكلة تظهر عندما يصبح الاعتقاد بأن كل نشاط سياسي مجرد استعراض.

حينها يبدأ الشباب في النظر إلى المشاركة السياسية باعتبارها شيئًا محرجًا أو مبالغًا فيه، بينما يكتفون بالتعليق والسخرية والمشاهدة.

وهنا تظهر عبارة أخرى خطيرة: «أنا لست سياسيًا».

قد يعتقد الشخص أنه بعيد عن السياسة، لكنه في الوقت نفسه يشتكي من راتبه، وإيجاره، وأسعار المواد الغذائية، والنقل، والتأمين، والتعليم، ومستقبل السكن. كل هذه القضايا سياسية بدرجة أو بأخرى.

عدم الاهتمام بالسياسة لا يعني أن السياسة لا تؤثر في حياتك.

الانقسام الذي يقتل أي حركة

لكن أكبر العقبات ربما ليست اللامبالاة، بل الانقسام.

منصات التواصل تكافئ المحتوى السريع والغاضب والمثير للجدل. وبدل أن يتناقش الناس حول حلول حقيقية، يتحول النقاش إلى معركة بين معسكرات: هذا جيد، وهذا شرير؛ هذا معنا، وهذا ضدنا.

يصبح الاختلاف في الرأي تهديدًا للهوية الشخصية، ويصبح من الصعب الاستماع إلى الطرف الآخر أو الاعتراف بأن الحلول السياسية والاجتماعية ليست دائمًا بسيطة.

والنتيجة أن أشخاصًا يعانون من المشاكل نفسها قد ينتهي بهم الأمر إلى مهاجمة بعضهم البعض بدلًا من البحث عن أسباب مشتركة لمعاناتهم.

الاحتجاج يحتاج إلى وحدة حول مطلب واضح، وليس مجرد غضب مشترك.

الاحتجاج وحده لا يكفي

وهنا يصل الطرح إلى نقطة مهمة: التظاهر ليس بالضرورة الحل النهائي.

يمكن للاحتجاج أن يجذب الانتباه، ويكشف مشكلة، ويجمع أشخاصًا لم يكونوا يعرفون بعضهم سابقًا. لكنه إذا انتهى بانتهاء المظاهرة، فقد يعود الجميع إلى حياتهم الطبيعية دون أن يتغير شيء جوهري.

الحركات التاريخية التي نجحت لم تعتمد فقط على الأعداد. كانت تمتلك بنية تنظيمية: نقابات، صناديق دعم، شبكات مجتمعية، دعاوى قضائية، مفاوضات، وضغطًا سياسيًا مستمرًا.

وهذا ما يسمى ب: «الرافعة» أو Leverage: أي امتلاك وسائل حقيقية لتحويل الغضب إلى تكلفة أو ضغط على الجهة التي تملك القدرة على اتخاذ القرار.

البداية ليست من العالم كله… بل من المكان الذي تعيش فيه

إذا كان شخص ما غاضبًا من أزمة السكن، يمكنه البحث عن جمعيات المستأجرين في مدينته. وإذا كان قلقًا بشأن ظروف العمل، يمكنه البحث عن النقابات أو التنظيمات العمالية. وإذا كان يريد مساعدة الفئات المحتاجة، يمكنه البحث عن مبادرات المساعدة المتبادلة.

الإنترنت نفسه، الذي يُتهم بأنه سبب جزء من المشكلة، يمكن أن يصبح أداة للحل إذا استُخدم بهدف محدد بدل استهلاك المحتوى بلا نهاية.

هل جيل Z عاجز فعلًا؟

ربما السؤال الحقيقي ليس: لماذا لا يستطيع جيل Z إطلاق ثورة؟

بل: هل ما زال هذا الجيل يمتلك الوقت والتركيز والتنظيم الكافي لتحويل غضبه إلى قوة؟

جيل Z ليس بالضرورة أقل وعيًا من الأجيال السابقة. بالعكس، يمتلك وصولًا هائلًا إلى المعلومات والقدرة على التواصل والتنظيم. لكن امتلاك الأدوات لا يعني امتلاك القدرة على استخدامها بفعالية.

الثورة، أو أي تغيير اجتماعي حقيقي، لا تبدأ بالضرورة من منشور ينتشر على الإنترنت. قد تبدأ من شخص قرر أن يتوقف عن الهروب من مشكلته، ويفهمها، ويتحدث مع الآخرين، وينضم إلى مجتمع، ويبني شبكة، ويحدد نقطة الضغط، ثم يستمر.

فالاحتجاج قد يلفت الأنظار، لكن التنظيم هو الذي يحافظ على الزخم.

والغضب قد يشعل الشرارة، لكن الأمل والعمل الجماعي هما ما يمكن أن يحولاها إلى تغيير.

ربما لا يحتاج جيل Z إلى المزيد من المحتوى الذي يخبره بأن العالم ينهار. ربما يحتاج إلى شيء أكثر بساطة وأصعب في الوقت نفسه: أن يرفع عينيه عن الشاشة، ينظر إلى واقعه، يحدد المشكلة، ويجد الآخرين الذين يريدون تغييرها معه.

فإذا كان جدار برلين قد سقط لأن ملايين الأشخاص اكتشفوا أن بإمكانهم التحرك معًا، فإن جدران عصرنا قد لا تكون مصنوعة من الخرسانة أصلًا.

قد تكون مصنوعة من التشتت، والخوف، والسخرية، والإدمان على الترفيه، والشعور بأن لا شيء يمكن تغييره.

وكسر هذه الجدران قد يكون أول خطوة نحو أي تغيير حقيقي.

شارك هذا المقال

المقال السابق ←

التعليقات (0)

تعليقات