خلال السنوات الأخيرة، بدا المشهد الدبلوماسي الجزائري وكأنه سلسلة متواصلة من الأزمات. المغرب، ثم إسبانيا، وفرنسا، ومالي، وصولًا إلى الإمارات العربية المتحدة؛ خمس أزمات دبلوماسية كبرى منذ عام 2021، تراوحت بين سحب السفراء وقطع العلاقات وتعليق الاتفاقيات وإغلاق المجال الجوي وطرد الدبلوماسيين.
ومع ذلك، فإن وصف الجزائر بأنها «معزولة» لا يبدو دقيقًا. فهي تحتفظ بعلاقات وثيقة مع تونس، وتطورت شراكتها مع إيطاليا، بينما ترتبط بعلاقات اقتصادية واسعة مع الصين وعسكرية قوية مع روسيا. وحتى بعض الدول التي دخلت معها في أزمات حادة عادت العلاقات معها تدريجيًا.
فما الذي يحدث إذن؟ ولماذا تبدو الجزائر مستعدة لدفع ثمن اقتصادي ودبلوماسي كبير دفاعًا عن مواقفها؟
إرث الاستعمار الذي لم ينتهِ سياسيًا
لفهم السياسة الخارجية الجزائرية، لا بد من العودة إلى نقطة أبعد بكثير من الأزمات الحالية: الاستعمار الفرنسي.
بين عامي 1830 و1962، خضعت الجزائر لحكم استعماري فرنسي طويل، انتهى بحرب استقلال دامية استمرت قرابة ثماني سنوات. لم تكن تجربة الاستعمار بالنسبة للجزائريين مجرد احتلال عسكري، بل نظامًا سياسيًا واجتماعيًا رسّخ تفاوتًا عميقًا بين السكان الأوروبيين والجزائريين.
وعندما خرجت فرنسا، لم تخرج الجزائر وهي تنظر إلى القوى الكبرى باعتبارها أطرافًا يمكن الوثوق بها تلقائيًا. على العكس، تشكلت الدولة الجزائرية الحديثة حول فكرة أساسية: لا ينبغي لأي قوة خارجية أن تمتلك القدرة على فرض إرادتها على الجزائر مرة أخرى.
ومن هنا برزت مبادئ أصبحت لاحقًا جزءًا أساسيًا من السياسة الخارجية الجزائرية: احترام سيادة الدول، رفض التدخل في شؤونها، دعم حق الشعوب في تقرير مصيرها، وتجنب الارتهان لمحور دولي واحد.
لم تكن الجزائر، خلال الحرب الباردة، دولة محايدة بالمعنى التقليدي؛ فقد كانت قريبة من الاتحاد السوفييتي، لكنها حرصت في الوقت نفسه على الاحتفاظ بهامش مستقل في قراراتها.
وهذه الفكرة ما تزال حاضرة بقوة حتى اليوم.
المغرب... العقدة الأكبر
إذا كان هناك بلد واحد يحتل موقعًا استثنائيًا في الحسابات الجزائرية، فهو المغرب.
رغم القرب الجغرافي والثقافي والتاريخي، تحولت العلاقة بين البلدين إلى واحدة من أكثر المنافسات حدة في شمال إفريقيا. وقد بدأت التوترات عمليًا بعد استقلال الجزائر بفترة قصيرة، عندما اندلعت «حرب الرمال» عام 1963 بسبب خلافات حدودية.
لكن قضية الصحراء الغربية جعلت الخلاف أكثر تعقيدًا بكثير.
تدعم الجزائر جبهة البوليساريو وتؤكد أن سكان الصحراء الغربية يجب أن يتمتعوا بحق تقرير المصير، بينما تعتبر الرباط الصحراء جزءًا من أراضي المملكة وتقترح حكمًا ذاتيًا تحت السيادة المغربية.
بالنسبة إلى الجزائر، لا يتعلق الأمر بمجرد نزاع حدودي بين دولتين. القضية تتقاطع مع عقيدتها التاريخية المناهضة للاستعمار والداعمة لحق الشعوب في تقرير مصيرها. أما بالنسبة إلى المغرب، فإن الدعم الجزائري للبوليساريو يُنظر إليه باعتباره جزءًا من صراع إقليمي على النفوذ.
وهكذا تحولت الصحراء الغربية إلى ما يشبه خطًا أحمر دبلوماسيًا جزائريًا.
عندما قطعت الجزائر علاقاتها مع المغرب عام 2021، لم يكن ذلك نتيجة خلاف منفرد، بل جاء بعد سنوات من التوتر المتصاعد والاتهامات المتبادلة. ومنذ ذلك الحين، أغلقت الحدود البرية والمجال الجوي بين البلدين، وتحولت المنافسة إلى سباق على النفوذ والتسلح والشراكات الدولية.
لماذا دخلت إسبانيا وفرنسا في المشكلة؟
المشكلة بالنسبة إلى الجزائر أن قضية الصحراء الغربية لم تعد محصورة بينها وبين المغرب.
في عام 2022، أعلنت إسبانيا دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساسًا واقعيًا وموثوقًا لحل النزاع. وردت الجزائر بسحب سفيرها وتعليق معاهدة الصداقة والتعاون مع مدريد، بل اتخذت إجراءات اقتصادية ضد الواردات الإسبانية.
وكانت الرسالة واضحة: الموقف من الصحراء الغربية يمكن أن يؤثر مباشرة في طبيعة العلاقات مع الجزائر.
الأمر نفسه تكرر مع فرنسا.
بعد فترة بدا فيها أن العلاقات الجزائرية الفرنسية تتجه نحو التحسن، أعلنت باريس في 2024 دعمها الصريح للموقف المغربي بشأن الصحراء الغربية. فعادت الأزمة إلى الواجهة، وسحبت الجزائر سفيرها، وتدهورت ملفات الهجرة والتعاون الاقتصادي والقنصلي، قبل أن تتبادل الدولتان إجراءات دبلوماسية أكثر حدة.
لكن اللافت أن هذه الأزمات لم تصل إلى قطيعة نهائية.
فبعد فترة من التصعيد، بدأت المصالح المشتركة تدفع الطرفين إلى استعادة التواصل. وهو ما حدث مع إسبانيا وفرنسا، كما حدث لاحقًا مع مالي.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات السياسة الجزائرية: الجزائر قد تكون شديدة الصرامة عندما ترى أن أحد خطوطها الحمراء قد تم تجاوزه، لكنها ليست بالضرورة راغبة في إنهاء العلاقة إلى الأبد.
مالي... عندما تتصادم السيادة مع السيادة
الأزمة مع مالي تكشف أن الصحراء الغربية ليست التفسير الوحيد للسلوك الجزائري.
تمتد الحدود الجزائرية المالية لأكثر من 1300 كيلومتر عبر منطقة صحراوية شاسعة عانت لسنوات من الإرهاب والتهريب والجماعات المسلحة والانقلابات.
لطالما اعتبرت الجزائر استقرار شمال مالي مسألة أمن قومي، ولهذا لعبت دورًا مهمًا في الوساطة بين الحكومة المالية والحركات المسلحة في الشمال، وصولًا إلى اتفاق السلام الذي تم توقيعه عام 2015.
لكن المشهد تغير بعد الانقلابات العسكرية في مالي.
السلطات الجديدة في باماكو أصبحت أكثر تشككًا في الدور الجزائري، واعتبرت استمرار اتصالات الجزائر مع بعض الحركات الشمالية تدخلًا في الشؤون الداخلية. وفي المقابل، رأت الجزائر أن التخلي عن مسار الوساطة واللجوء إلى الحلول العسكرية يهدد أمن المنطقة بأكملها.
ثم جاءت أزمة الطائرة المسيّرة عام 2025 لتفجر العلاقات بصورة أكبر، قبل أن يبدأ البلدان لاحقًا في إعادة فتح قنوات الاتصال.
هذه الأزمة تكشف مفارقة مهمة: الجزائر تريد احترام سيادة الدول، لكنها في الوقت نفسه تعتبر ما يحدث في محيطها الأمني شأنًا لا يمكنها تجاهله.
وهنا يصبح الخط الفاصل بين «الوساطة» و«التدخل» شديد الضبابية.
الإمارات... خصم بعيد لكنه متصل بالصراع الإقليمي
أما الخلاف مع الإمارات، فيبدو للوهلة الأولى أكثر غرابة، فالدولة الخليجية تبعد آلاف الكيلومترات عن الجزائر ولا توجد بينهما حدود مشتركة.
لكن عند النظر إلى شبكة التحالفات الإقليمية، يصبح الخلاف أكثر وضوحًا.
أبوظبي طورت علاقة وثيقة مع المغرب، وأعلنت دعمها لموقف الرباط من الصحراء الغربية. كما عززت علاقاتها مع إسرائيل بعد اتفاقيات أبراهام عام 2020، بينما تنظر الجزائر إلى العلاقة المتنامية بين إسرائيل والمغرب والإمارات بقدر كبير من الشك.
وفوق ذلك، أصبحت الإمارات لاعبًا نشطًا في إفريقيا ومنطقة الساحل، عبر الاستثمارات والعلاقات الأمنية والسياسية.
وبالنسبة إلى الجزائر، فإن توسع نفوذ قوة خارجية في منطقة تعتبرها مجالًا حيويًا لأمنها القومي يمكن أن يُنظر إليه باعتباره تحديًا مباشرًا.
وهكذا انتهى الأمر في سبتمبر 2026 إلى قطيعة دبلوماسية بين الجزائر والإمارات، بعد اتهامات جزائرية لأبوظبي باتخاذ مواقف اعتبرتها الجزائر «استفزازية ومعادية».
هل الجزائر فعلًا «تتشاجر مع الجميع»؟
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية.
فالقول إن الجزائر تدخل في خلافات مع الجميع يتجاهل حقيقة أن لديها علاقات مستقرة وقوية مع عدد من الدول.
تونس مثال واضح. فالعلاقات بين البلدين تقوم على تعاون سياسي وأمني واقتصادي، مع مصالح مشتركة في حماية الحدود ومواجهة التهديدات القادمة من ليبيا ومنطقة الساحل.
أما إيطاليا، فقد أصبحت شريكًا مهمًا للجزائر في مجال الطاقة، خصوصًا بعد الحرب الروسية الأوكرانية وحاجة أوروبا إلى تنويع مصادر الغاز.
الصين بدورها تحافظ على شراكة استراتيجية واسعة مع الجزائر في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والتجارة.
وحتى روسيا، رغم العلاقات العسكرية التاريخية، لا تملك احتكار السياسة الخارجية الجزائرية. فالجزائر تشتري السلاح من روسيا، لكنها في الوقت نفسه تتعامل اقتصاديًا مع أوروبا والصين، وتبيع الغاز لدول غربية.
إذن المشكلة ليست أن الجزائر ترفض التعاون مع الآخرين.
المشكلة تبدأ عندما تشعر الجزائر أن التعاون يتحول إلى تبعية، أو أن شريكًا خارجيًا يحاول التأثير في قضايا تعتبرها مرتبطة بسيادتها وأمنها القومي.
الاستقلالية الاستراتيجية... قوة أم عزلة؟
تمتلك الجزائر ما يسمح لها بممارسة قدر من الاستقلالية لا تستطيع دول كثيرة تحمله.
فهي دولة شاسعة المساحة، تمتلك احتياطيات كبيرة من المحروقات، وتعد من أبرز موردي الغاز لأوروبا، كما تمتلك أحد أقوى الجيوش في إفريقيا.
هذه المقومات تمنحها قدرة على قول «لا» عندما ترى أن مصالحها أو مبادئها الأساسية مهددة.
لكن لهذه السياسة ثمن.
فالقطيعة مع المغرب تعني استمرار إغلاق حدود كان يمكن أن تكون بوابة لتجارة إقليمية ضخمة. والخلافات مع إسبانيا وفرنسا تؤثر في العلاقات الاقتصادية والهجرة والطاقة. والتوتر مع مالي يعقد التعاون الأمني في منطقة شديدة الحساسية. أما فتح جبهة جديدة مع الإمارات فيضيف لاعبًا اقتصاديًا وسياسيًا قويًا إلى قائمة الخصوم.
وهنا تكمن المفارقة الجزائرية.
السياسة التي تمنح الجزائر استقلالية استراتيجية قد تتحول، إذا أُفرط في استخدامها، إلى عزلة استراتيجية.
الجزائر لا تبدو دولة بلا أصدقاء، بل دولة تضع شروطًا صارمة للصداقة والشراكة. وهي مستعدة لتحمل خسائر ملموسة عندما تعتقد أن التراجع عن موقف معين سيقوض مبادئها الأساسية.
وقد أثبتت أزماتها مع إسبانيا وفرنسا ومالي أن القطيعة ليست بالضرورة دائمة؛ فالمصالح يمكن أن تعيد فتح الأبواب حتى عندما تبقى الخلافات الأساسية دون حل.
في النهاية، لا تبدو الخلافات الجزائرية عشوائية كما قد يوحي عنوان «الجزائر تتشاجر مع الجميع». خلف هذه الأزمات خيط واضح: السيادة، الصحراء الغربية، أمن الساحل، رفض التدخل الخارجي، والرغبة في الحفاظ على حرية القرار.
لكن السؤال الأصعب يبقى: إلى أي حد تستطيع الجزائر الاستمرار في اختبار علاقاتها الخارجية قبل أن تتحول استقلاليتها التي تتمسك بها بشدة إلى عزلة يصعب الخروج منها؟
ففي عالم تتحكم فيه التحالفات والمصالح المتشابكة، قد يكون الحفاظ على القدرة على قول «لا» مصدر قوة حقيقي... لكن كثرة من يسمعون هذه الكلمة قد تجعل ثمن الاستقلالية أعلى مما يبدو.

التعليقات (0)
تعليقات
إرسال تعليق