**البصيرة | قراءة في تقديرات البروفيسور جون ميرشايمر**
تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة استراتيجية معقدة في الشرق الأوسط، حيث تتشابك المواجهة مع إيران مع الصراع بين جماعة أنصار الله (الحوثيين) والسعودية، وسط تحديات عسكرية واقتصادية تهدد قدرة واشنطن على حماية مصالحها وحلفائها. وفي خضم هذه المعادلة، يبرز سؤال جوهري: هل تستطيع الولايات المتحدة فتح جبهة جديدة ضد الحوثيين، أم أن محاولة إخضاعهم عسكريًا ستقود إلى استنزاف إضافي لا تملك واشنطن الموارد اللازمة لتحمله؟
يرى البروفيسور الأمريكي جون ميرشايمر، أحد أبرز منظّري العلاقات الدولية والواقعية السياسية، أن الإجابة واضحة: **الولايات المتحدة لا تملك القدرة العسكرية اللازمة لهزيمة الحوثيين، وأي محاولة جديدة لمواجهتهم قد تجعل وضعها في المنطقة أكثر سوءًا.** ولا تتعلق المشكلة، وفق هذا التقدير، بقوة الحوثيين وحدهم، بل أيضًا باستنزاف الترسانة الأمريكية، وصعوبة حماية البنية التحتية النفطية الخليجية، واحتمال تدخل إيران إذا اقترب حلفاؤها اليمنيون من الهزيمة.
حربان منفصلتان.. ومصالح متشابكة
ينطلق ميرشايمر من التمييز بين مسارين مختلفين للصراع في المنطقة. الأول هو المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، والثاني هو الحرب بين الحوثيين والسعودية والقوى اليمنية المتحالفة معها.
وعلى الرغم من ارتباط المسارين ببعضهما، فإن التعامل معهما باعتبارهما جبهة واحدة قد يقود واشنطن إلى أخطاء استراتيجية خطيرة. فالحوثيون يمتلكون حساباتهم ومصالحهم الخاصة، كما أن طبيعة المواجهة معهم تختلف عن طبيعة الصراع مع دولة بحجم إيران وإمكاناتها العسكرية والجغرافية.
وبحسب ميرشايمر، فإن دخول الولايات المتحدة في حرب مباشرة مع الحوثيين إلى جانب السعودية لن يكون مجرد توسيع محدود لعملياتها العسكرية، بل قد يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي أوسع، خصوصًا إذا اعتبرت طهران أن استمرار الضغط على الجماعة يهدد أحد أهم حلفائها في المنطقة.
وهنا تكمن المعضلة: واشنطن تريد إضعاف خصومها وتقليص قدرتهم على تهديد مصالحها، لكنها قد تجد نفسها أمام جبهات متعددة تستنزف مواردها وتحدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها الأساسية.
حملة ترامب الأولى.. إخفاق لم يحقق الأهداف
يستحضر ميرشايمر تجربة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال عام 2025، حين أعلنت واشنطن عزمها على إلحاق هزيمة حاسمة بالحوثيين وإخراجهم من معادلة الصراع الإقليمي.
وبحسب التسلسل الزمني الذي يورده في تحليله، بدأت الحملة العسكرية الأمريكية في مارس/آذار 2025، قبل أن تنتهي في مايو/أيار من العام نفسه، بعدما أعلن ترامب تحقيق النصر.
لكن ميرشايمر يرفض اعتبار الإعلان السياسي دليلًا على الانتصار العسكري. فالمعيار الحقيقي، في نظره، ليس قدرة الولايات المتحدة على شن الضربات أو إعلان انتهاء العمليات، وإنما قدرتها على تحقيق الأهداف التي دخلت الحرب من أجلها.
ومن هذا المنطلق، يرى أن واشنطن لم تتمكن من إخضاع الحوثيين، وأن إنهاء الحملة لم يكن دليلًا على نجاح استراتيجية حاسمة، بقدر ما عكس حدود القوة الأمريكية في مواجهة خصم استطاع مواصلة الصمود.
وتحمل هذه التجربة، وفق منطقه، درسًا مهمًا: إذا لم تستطع الولايات المتحدة تحقيق أهدافها في مواجهة الحوثيين خلال حملة سابقة، فلا يوجد ما يضمن أن تكرار التجربة في ظروف أكثر صعوبة سيؤدي إلى نتيجة مختلفة.
بل إن الظروف العسكرية قد تكون اليوم أقل ملاءمة لواشنطن، خاصة في ظل الاستنزاف الذي تتعرض له مخزونات الذخائر الأمريكية نتيجة المواجهة الأوسع مع إيران.
معضلة الذخائر.. قوة عسكرية لا تستطيع خوض كل الحروب
تتمثل إحدى أهم نقاط تحليل ميرشايمر في أن التفوق العسكري الأمريكي لا يعني امتلاك موارد غير محدودة. فالأسلحة الدقيقة والصواريخ الاعتراضية والذخائر المتطورة التي تحتاج إليها القوات الأمريكية ليست متاحة بكميات لا تنفد، كما أن تعويض المخزونات المستهلكة يحتاج إلى وقت وإنتاج صناعي مستمر.
ويحذر ميرشايمر من أن واشنطن تواجه معضلة مزدوجة: فهي تحتاج إلى ذخائر هجومية لمهاجمة خصومها، وذخائر دفاعية لحماية قواتها وحلفائها من الردود المحتملة. وإذا فتحت جبهة جديدة ضد الحوثيين، فستضطر إلى توزيع مواردها المحدودة على مهام إضافية، من دون ضمان تحقيق نصر واضح.
ولا تتوقف المخاطر عند احتمال استنزاف الصواريخ والذخائر. فكل عملية عسكرية جديدة تفرض تكاليف إضافية على القوات الأمريكية، وتزيد من تعقيد التخطيط العسكري، وتخلق احتمالات جديدة للتصعيد والرد المتبادل.
ومن وجهة نظر ميرشايمر، فإن المشكلة الأساسية ليست في قدرة الولايات المتحدة على توجيه ضربات مؤلمة إلى الحوثيين، وإنما في قدرتها على تحويل تلك الضربات إلى نتيجة استراتيجية دائمة.
فقد تتمكن واشنطن من تدمير مواقع عسكرية أو استهداف منشآت محددة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها ستنجح في إنهاء قدرة الجماعة على مواصلة القتال أو إجبارها على التخلي عن أهدافها.
مضيق باب المندب.. ورقة ضغط تتجاوز حدود اليمن
تنبع الأهمية الاستراتيجية للحوثيين، بحسب ميرشايمر، من موقعهم الجغرافي وقدرتهم على التأثير في أمن الملاحة والتجارة الدولية، فضلًا عن تهديد أهداف حيوية داخل السعودية.
ويُعد مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويؤدي دورًا مهمًا في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.
ومن شأن أي اضطراب كبير في هذا الممر أن يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويجبر بعض السفن على تغيير مساراتها، بما يزيد من زمن الرحلات وكلفتها. كما أن استهداف السفن أو تهديد الملاحة قد يحوّل المواجهة المحلية إلى أزمة تتجاوز حدود المنطقة.
ويشير هذا الواقع إلى أن القوة الاستراتيجية للحوثيين لا تعتمد فقط على حجم ترسانتهم العسكرية، بل أيضًا على قدرتهم على استغلال الجغرافيا وتهديد المصالح الاقتصادية التي يصعب على الولايات المتحدة وحلفائها تجاهلها.
فواشنطن تستطيع نشر قوات بحرية وجوية متقدمة، لكن حماية خطوط الملاحة على نحو مستمر، في مواجهة خصم قادر على استخدام وسائل هجومية متنوعة، مهمة معقدة ومكلفة، ولا تضمن وحدها إنهاء التهديد.
النفط السعودي.. نقطة الضعف الأكثر حساسية
لا تقتصر المخاطر على الملاحة البحرية. فالسعودية تمتلك بنية تحتية نفطية ذات أهمية عالمية، وأي استهداف لمنشآتها أو خطوط نقل النفط قد تكون له تداعيات تتجاوز حدودها.
ويلفت ميرشايمر إلى أهمية خط الأنابيب السعودي الذي ينقل النفط من شرق المملكة إلى غربها، بما يسمح بتصديره عبر البحر الأحمر بدلًا من الاعتماد الكامل على المسارات البحرية التقليدية في الخليج.
وفي تحليله، يشير إلى تقارير تحدثت عن توقف الخط مجددًا نتيجة هجمات حوثية محتملة، مع إقراره بأن المعلومات المتداولة في خضم الصراعات الإقليمية قد يصعب التحقق منها بصورة قاطعة.
ومع ذلك، فإن الفكرة الأساسية تتعلق بهشاشة البنية التحتية الحيوية أمام الهجمات، لا بصحة تقرير منفرد فحسب. فحتى التهديد الجدي لهذه المنشآت قد يفرض تكاليف أمنية واقتصادية كبيرة، ويؤثر في حسابات الأسواق والمصدرين والمستهلكين.
وهنا تظهر مفارقة الاستراتيجية الأمريكية: إذا صعّدت واشنطن حملتها العسكرية بهدف تقليص قدرات الحوثيين، فقد تدفع الجماعة إلى الرد باستهداف مصالح سعودية أكثر حساسية، ما يضع الولايات المتحدة أمام مسؤولية إضافية تتمثل في حماية حليفها من تبعات التصعيد الذي ساهمت في إطلاقه.
وبذلك، قد تتحول الحملة التي يُفترض أن تعزز أمن المنطقة إلى عامل يزيد هشاشتها.
ماذا لو اقتربت واشنطن من هزيمة الحوثيين؟
يطرح ميرشايمر احتمالًا أكثر تعقيدًا: ماذا لو أخطأ في تقديره، ونجحت الولايات المتحدة بالتعاون مع السعودية في إضعاف الحوثيين إلى درجة تهدد قدرتهم على الصمود؟
في هذه الحالة، يتوقع أن تجد إيران نفسها أمام خطر خسارة حليف مهم، وهو ما قد يدفعها إلى التدخل بصورة مباشرة أو أكثر وضوحًا لدعمه.
ولا يعني هذا السيناريو أن التدخل الإيراني سيكون حتميًا أو أن طهران ستختار بالضرورة المواجهة المباشرة، لكنه يسلط الضوء على خطر التصعيد المتدرج. فكلما اقتربت واشنطن من تحقيق أهدافها ضد الحوثيين، قد تزداد دوافع إيران إلى رفع مستوى دعمها أو توسيع نطاق تدخلها لحماية مصالحها.
وعندئذ، قد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مواجهة أوسع مع خصم ترى أنه لا يمكن هزيمته عسكريًا بسهولة، في وقت تعاني فيه أصلًا من ضغوط تتعلق بالذخائر وتوزيع الموارد.
وبذلك، تصبح المفارقة واضحة: إذا فشلت واشنطن في إخضاع الحوثيين، فإنها تكون قد استنزفت مواردها من دون تحقيق أهدافها؛ وإذا نجحت في إضعافهم بشدة، فقد تواجه احتمال التصعيد مع إيران. وفي الحالتين، لا يبدو الطريق إلى نصر استراتيجي مضمونًا.
شرق أوسط بلا استراتيجية انتصار أمريكية؟
يصل ميرشايمر إلى استنتاج أوسع من مسألة الحوثيين نفسها، معتبرًا أن الولايات المتحدة لا تمتلك استراتيجية واضحة تضمن لها تحقيق النصر في الشرق الأوسط.
فالمشكلة، وفق هذا التصور، لا تكمن في معركة منفردة أو خصم بعينه، وإنما في الفجوة بين الأهداف الأمريكية والوسائل المتاحة لتحقيقها. إذ تسعى واشنطن إلى حماية حلفائها، وردع خصومها، وتأمين طرق التجارة والطاقة، لكنها تواجه خصومًا قادرين على استخدام الجغرافيا والاستنزاف والرد غير المتكافئ لرفع تكلفة تدخلها.
وتكشف الحالة الحوثية، في هذا السياق، حدود الاعتماد على القوة العسكرية وحدها. فالتفوق في الطائرات والسفن والصواريخ لا يضمن بالضرورة القدرة على فرض تسوية سياسية أو منع الخصم من مواصلة القتال.
**الخلاصة التي يطرحها ميرشايمر هي أن فتح جبهة جديدة ضد الحوثيين لن يعالج المأزق الأمريكي، بل قد يضاعفه.** فالولايات المتحدة، التي لم تتمكن بحسب تقييمه من تحقيق أهدافها في حملتها السابقة، تواجه اليوم تحديات إضافية تتعلق بمخزون الذخائر، وأمن المنشآت النفطية السعودية، واحتمال توسع المواجهة مع إيران.
وفي نهاية المطاف، لا يتعلق السؤال بما إذا كانت واشنطن قادرة على شن حرب جديدة، بل بما إذا كانت تستطيع تحمل تكاليفها وتحقيق أهدافها النهائية. ووفق قراءة ميرشايمر، فإن الإجابة لا تبعث على التفاؤل: قد تستطيع الولايات المتحدة توجيه ضربات إلى الحوثيين، لكنها لا تملك ضمانة لهزيمتهم، وقد تجد نفسها أمام حرب أوسع وأكثر كلفة من تلك التي حاولت تجنبها.

التعليقات (0)
تعليقات
إرسال تعليق