في مشهد
يلخّص الكثير عن طبيعة الرأسمالية المعولمة وامتيازاتها، تكشف إيفانكا ترامب أن
واحدة من أضخم الصفقات السياحية في تاريخ ألبانيا الحديث وُلدت من رحلة سباحة
عابرة في عرض البحر الأبيض المتوسط.
ففي مقطع
مصوّر تداولته منصات التواصل على نطاق واسع، تروي ابنة الرئيس الأميركي دونالد
ترامب تفاصيل الاكتشاف" قائلةً : أعمل
رفقة زوجي على مشروع استثنائي في
البحر الأبيض المتوسط.
جزيرة
تمتد على 1400 هكتار في قلب المتوسط. توقفنا للسباحة فاكتشفناها مصادفةً. سبحنا نحوها، وتسلّقنا حتى قمتها،
فأخذنا المشهد بكامله".
ما بدأ بـ"انبهار" عابر، انتهى — وفق ما هو معلَن — مشروعاً استثمارياً ضخماً يقوده جاريد
كوشنر، صهر الرئيس الأميركي، عبر شبكة من الشركات المرتبطة به، بهدف تحويل الجزيرة
إلى وجهة مغلقة للنخبة الثرية في العالم.
موقع لا
يُكتشف بالصدفة
غير أن
ما تُسميه إيفانكا "اكتشافاً"، يخفي خلفه واحداً من أكثر المواقع
حساسيةً في حوض المتوسط. فجزيرة سازان ليست بقعة
منسية في عرض البحر، بل أكبر جزر ألبانيا وأقصى نقطة غربية في البلاد، تقع
عند مدخل خليج فلورا في موقع يتحكّم بمضيق أوترانتو الفاصل بين السواحل الألبانية
والإيطالية، وعلى الخط الفاصل بين البحرين الأدرياتيكي والأيوني.
هذا
الموقع لم يكن يوماً عابراً؛ فالجزيرة ظلّت منطقة عسكرية مغلقة طوال عقود، واحتضنت
في الحقبة الشيوعية قاعدة سرّية للغواصات السوفيتية، إلى جانب شبكة من الأنفاق
المحصّنة ومخازن للأسلحة الكيميائية. ولم تُفتح أمام الزوار إلا في صيف 2015.
الموقع
الاستراتيجي لجزيرة سازان في حوض المتوسط
ماذا
يتضمّن المشروع؟
تكشف
الوثائق الأولية للتراخيص الممنوحة من الحكومة الألبانية أن المخطط يشمل:
•
فنادق ومنتجعات من فئة الرفاهية
القصوى.
•
فلل خاصة تطلّ مباشرة على البحر.
•
ميناءً مخصصاً لليخوت الفاخرة.
•
مرافق ترفيهية وشواطئ حصرية للنزلاء.
•
بنية تحتية سياحية متكاملة بمواصفات
عالمية.
•
برامج تُسوَّق بوصفها "إعادة تأهيل بيئية" تشمل إزالة آثار المنشآت العسكرية
الموروثة من الحقبة الشيوعية.
ومن اللافت أن المنطقة البحرية
المحيطة بالجزيرة كانت قد صُنّفت سنة 2010 ضمن محمية كارابورون-سازان البحرية، ما يطرح علامات استفهام جدية حول
التوازن بين المشروع السياحي الفاخر وحماية النظام البيئي البحري الذي يُفترض أن
يتمتّع بحماية قانونية.
غير أن
السؤال الذي يفرض نفسه يتجاوز حدود السياحة: كيف تُسلَّم جزيرة بهذا الحجم والموقع الاستراتيجي — كانت إلى وقت قريب منطقة عسكرية مغلقة
— لعائلة الرئيس الأميركي بهذه
السلاسة؟ ولماذا أطلق الألبان على المشروع تسمية ساخرة باتت متداولة: "جزيرة الترامبيين" (Ishulli i Trumpëve)؟
وما الذي
تكشفه هذه الصفقة عن طبيعة العلاقة المتشابكة بين السلطة السياسية والمصالح
الاستثمارية للعائلات الحاكمة في عالم اليوم؟


التعليقات (0)
تعليقات
إرسال تعليق