بين عامَي 1300 و1521، ازدهرت في وسط المكسيك حضارةٌ تركت خلفها معابد شاهقة وتقويمًا فلكيًا دقيقًا ونظامًا اجتماعيًا مُحكمًا: إنهم الأزتيك. ومع ذلك، فإن أكثر ما عَلِق في الذاكرة الجماعية عن هذه الحضارة ليس هندستها ولا فلكها، بل صورتها بوصفها شعبًا يذبح أبناءه على مذابح آلهةٍ غاضبة. هذه الصورة لم تتشكّل في فراغ، بل وُلدت في لحظة تاريخية بعينها: عام 1519، حين وطئت أقدام الغزاة الإسبان عاصمة الإمبراطورية تينوتشتيتلان.
روايةٌ كتبها المنتصرون
في تلك السنة قاد هيرنان كورتيس حملته التي انتهت بسقوط الإمبراطورية الأزتيكية عام 1521. وما إن وصل الإسبان حتى نقلوا إلى أوروبا أخبارًا عن طقوس التضحية البشرية، فأثاروا رعب الرأي العام، ومنحوا الغزو غطاءً أخلاقيًا؛ فمن ذا الذي يعترض على إخضاع شعبٍ «يقتل أبناءه»؟ ومن هنا تحديدًا تنبع إشكاليةٌ منهجية لا يصحّ تجاهلها: إذ إن جزءًا كبيرًا من معرفتنا بهذه الطقوس مصدره كتابات أناسٍ كانت لهم مصلحة مباشرة في تضخيم وحشية من غزوهم. ولهذا، ورغم أن أصل الممارسة لم يَعُد موضع شك، فإن مداها الحقيقي ما يزال محلّ جدلٍ بين المؤرّخين حتى اليوم.
ما الذي تؤكّده الآثار؟
لم تترك الاكتشافات الأثرية مجالًا للتشكيك في وجود الممارسة نفسها؛ فحتى عام 2020 عُثر على 603 جماجم بشرية في «التيمبلو مايور»، المعبد الأكبر للأزتيك في قلب العاصمة. غير أن نقطةً مهمّة كثيرًا ما تُغفَل: الأزتيك لم يخترعوا التضحية البشرية ولم يكونوا أول من مارسها، بل كانت تقليدًا راسخًا عبر حضارات أمريكا الوسطى، شاركت فيه شعوبٌ أخرى كالمايا والتولتيك. ومع ذلك يبدو الأزتيك الأكثر دمويةً بينها؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 20 ألف شخص كانوا يُقدَّمون قربانًا كل عام. وفي حين كان أغلب الضحايا من الرجال وأسرى الحرب، لم يكن نادرًا أن تطال القرابين النساء والأطفال أيضًا.
لماذا كان الأزتيك يضحّون بالبشر؟
الجواب الأكثر قبولًا يكمن في بنيتهم العقائدية. كان الأزتيك شعبًا شديد الارتباط بالطقوس، يتّبعون تقويمًا صارمًا ودوراتٍ زمنية ربطوها بآلهتهم الخمسة الكبرى. فقد آمنوا أنه مع نهاية كل دورة من 52 عامًا يصبح العالم مهدّدًا بالفناء، وأن القرابين هي ما يحول دون ذلك. وتروي «أسطورة الأبناء الخمسة» أن الآلهة ضحّت بنفسها كي يحيا البشر، وأن استمرار الحياة ذاته مَدينٌ لتلك التضحية. ومن ثَمّ، رأى الأزتيك في تقديم القرابين ردًّا للجميل: طاقةً تُمَدّ بها الآلهة كي تغذّي البشرية خلال الدورة التالية. وكانوا يعتقدون أنه لو لم تتلقَّ الآلهة ما يكفي من القرابين عند نهاية الدورة لانتهى العالم، لذا كانوا مع كل شروقٍ يُعلن بدء دورةٍ جديدة يحتفلون بالأرواح التي بُذلت كي تستمرّ الحياة.
في صميم هذا التصوّر كانت فكرةٌ بالغة الحضور: الكون قائمٌ على توازنٍ هشّ بين الحياة والعدم، وحفظ هذا التوازن مسؤوليةٌ بشرية لا تقلّ أهمية عن دور الآلهة. فالشمس ذاتها — في نظرهم — كانت كائنًا يحتاج إلى الغذاء كي يواصل مسيره عبر السماء، ولا غذاء يُعادل في قيمته الدم البشري بوصفه أنفس ما يملكه الإنسان. وهكذا تحوّل القربان من فعل قسوةٍ مجرّد، في الوعي الأزتيكي، إلى واجبٍ كوني يقع على عاتق الجماعة كلها، يشارك فيه الكهنة والمحاربون والحكّام على حدّ سواء.
ولم يكن هذا التقويم وحيدًا؛ فالسنة عند الأزتيك امتدّت إلى 18 شهرًا، خُصّص كل شهرٍ منها لاحتفالٍ مكرّس لأحد الآلهة، وكان كل احتفالٍ يقتضي تقديم الشكر والقرابين البشرية لاسترضاء الإله وضمان «تقويته» استعدادًا لنهاية الدورة الكبرى. وهكذا لم تكن التضحية حدثًا استثنائيًا يقع في المناسبات الكبرى فحسب، بل إيقاعًا دائمًا يتخلّل السنة بأكملها، يربط بين الزمن والدين والسلطة في نسيجٍ واحد.
خمسة آلهة... وخمسة طقوس
هويتزيلوبوتشتلي، إله الحرب والشمس، كان يُعبَد في المعبد الأكبر ويُحتفى به في أربعةٍ من الاحتفالات الثمانية عشر. كانت الضحية تُزيَّن بألوان الإله وتُطلى بالأزرق، ثم تُمدَّد على حجر القربان، ليشقّ الكاهن صدرها وينتزع قلبها وهو لا يزال نابضًا رافعًا إياه نحو الشمس، قبل أن يُدفع الجسد من أعلى الهرم. وكان جزءٌ من الجسد يُرسَل أحيانًا إلى وجهاء القوم أو يُؤكل في طقسٍ يرتقي بعده المحارب الذي أسر الضحية درجةً في السلّم الاجتماعي.
تيزكاتليبوكا، أقوى الآلهة وإله الليل والسحر والقدر، عُرف بطريقتين للتضحية: الأولى قتالٌ يُربَط فيه الضحية ويُعطى سلاحًا زائفًا ليواجه محاربين مدجّجين من نخبة الجيش. والثانية اختيار فتى يتقمّص الإله طوال عامٍ كامل، يُعامَل كتجسيدٍ حيٍّ له ويغرق في الترف، حتى يأتي يوم تضحيته فيصعد الهرم ويسلّم جسده للكهنة، ليُختار خَلَفُه على الفور.
شيوتيكوتلي، إله النار والحرارة، كان يُعبَد في احتفال «إيسكالي»، حيث يُلقى الأسرى في النار بعد وليمةٍ كبرى، ثم يُنتزعون منها قبيل موتهم لتُقتلع قلوبهم اتقاءً لغضبه. وإلى الإله نفسه كان يُقام «احتفال النار الجديدة» عند نهاية دورة الـ52 عامًا؛ إذ يصعد الكهنة قمة بركان وينتظرون بزوغ حزام الجبّار، فينتزعون قلب الضحية ويوقدون نارًا في صدره، ومنها تُؤخذ الشعلة لإضاءة نيران المعابد في أنحاء المدينة.
تلالوك، إله المطر والماء والخصب، كان يطلب ضحايا من نوعٍ خاص: الأطفال. واعتقد الأزتيك أنه إن لم ينلهم أفسد المحاصيل وحبس المطر ونشر الأوبئة. وقد كشفت الآثار عن بقايا 42 طفلًا قرب الهرم الأكبر تحمل آثار معاناةٍ قبل الموت، إذ سادت قناعةٌ بأن الإله يطلب دموع الصغار جزءًا من القربان. وقد دوّن الراهب برناردينو دي ساهاغون في «مخطوطة فلورنسا» شهادةً عن هذه القرابين، إذ ذكر أنهم كانوا يجمعون الأطفال ويشترونهم من أمهاتهم، ويمضون في قتلهم في كل الأعياد المتتالية إلى أن تنهمر الأمطار بغزارة.
شيبي توتيك، إله البعث والزراعة والفصول والحرفيين، لُقّب بـ«سيّدنا المسلوخ». كان يُختار قربانٌ لكل يومٍ من الأربعين السابقة لاحتفاله، يعيش كالإله ويُغدَق عليه، ثم تُسلَخ جلودهم في طقسٍ مروّع لتُلبَس لمن يطوف بها المدينة ويجمع الهدايا، قبل أن تُنتزَع قلوب من بقي حيًّا منهم وتُقطَّع أجسادهم.
بين الأسطورة والرواية
ويذهب كثيرٌ من الباحثين المعاصرين إلى أن أرقام الضحايا التي تواترت في المصادر الإسبانية مبالَغٌ فيها على الأرجح، وأن جزءًا منها وُظّف خدمةً لسردية الغزو لا للحقيقة التاريخية. لكن هذا التشكيك في الأرقام لا يلغي جوهر الظاهرة: فالتضحية البشرية كانت مكوّنًا أصيلًا في الدين والسياسة معًا، أداةً للتقرّب من الآلهة ولترسيخ هيبة الدولة وردع خصومها في آنٍ واحد.
بين أسطورةٍ صاغها الأزتيك لتفسير الكون، وروايةٍ ضخّمها الغزاة لتبرير غزوهم، تظلّ التضحية البشرية لدى الأزتيك مسألةً تستدعي قراءةً متأنّية: لا إنكارًا لما تؤكّده الآثار، ولا تصديقًا أعمى لكلّ ما خطّه قلم المنتصِر. فالحقيقة، كعادتها، تقيم في المسافة الواقعة بين الرعب والتحليل.

التعليقات (0)
تعليقات
إرسال تعليق