الشهوة: عيبٌ إنسانيٌّ لا يُهزَم بل يُضبَط




الشهوة في معناها المعجمي رغبةٌ جنسيةٌ شديدة، كما تعرّفها قواميس اللغة. لكنها في أثرها على الإنسان أبعد بكثير من حدود التعريف؛ فهي حين تُترك بلا ضابط لا تكتفي بأن تكون نزوةً عابرة، بل تتحوّل إلى قيدٍ يُجرّد صاحبه من إنسانيته شيئًا فشيئًا. والرجل الذي يعجز عن ضبط شهوته نادرًا ما يكون رجلًا مستقيمًا؛ إذ يصبح مكبّلًا بتوقٍ ونزوعٍ نحو الجسد يُعمي بصيرته ويُشوّش حكمه ويُقدّم له القرار الخاطئ في ثوب الصواب. وما يجعل المسألة أعمق من مجرد ضعفٍ أخلاقيّ أنّ الشهوة تختطف العقل ذاته، أداةَ الإنسان التي تميّزه؛ فإذا بالرجل الحرّ في ظاهره أسيرًا في باطنه، يتبع رغبةً عابرة سرعان ما يتبعها الندم بعد فوات الأوان.

وهذا الندم ليس عَرَضًا هامشيًا، بل هو الشاهد الأوضح على الخلل. فكثيرًا ما يشعر الرجل المستقيم بالذنب عقب الاستمناء أو الانخراط في أفعالٍ جنسية فارغة من المعنى مع نساءٍ لمجرد المتعة. ومع تكرار ذلك يتشكّل في داخله فراغٌ وإحساسٌ بالقلق وافتقادٌ للرضا، حين تكون رغباته قد استحوذت عليه وأمسكت بزمامه. إنّ المفارقة أنّ هذا الفعل يَعِد بالإشباع ويُورِث الجوع، ويَعِد بالرضا ويُخلّف وراءه خواءً يصعب ملؤه؛ لأنه في حقيقته بديلٌ زائف عن حاجةٍ أعمق لا يستطيع أن يلبّيها.

ويفسّر هذا الخواء جوهرَ المسألة: إنّ الشهوة تُقنع الدماغ بأنّ المتعة الآنية أهمّ من الإشباع طويل الأمد، فتتشكّل دورةٌ تتعزّز بالعادة. يحصل المرء على وهم الإشباع البيولوجي عبر بديلٍ لا عبر الحقيقة، وهو ما يعيد تشكيل بنية الدماغ ووصلاته العصبية، ويُربك منظومة المكافأة فيه حتى تصير المتعة السهلة معيارًا تُقاس عليه اللذّات كلها. وهكذا يفقد الإنسان قدرته على الاستمتاع بما يتطلّب جهدًا وصبرًا، ويزداد تعلّقه بما هو فوريّ ومجانيّ ومتاحٌ بضغطة زرّ.

ولأنّ هذه النزعة بهذه القوة، صارت سلعةً تُباع وتُشترى. فاليوم تعتمد أعمالٌ تجارية وصنّاع محتوى لا حصر لهم على هذه الشهوة الإنسانية لتسويق منتجاتهم، أيًّا كانت؛ من صورةٍ مصغّرة مثيرة لفيديو، إلى صورةٍ فاضحة لأحد المشاهير، لإغراء المشاهد بالنقر ثم المشاهدة أو القراءة. والأنكى أنّ الحيلة تنجح في أغلب الأحيان، وهذا بالضبط ما يثير الاشمئزاز. تبدو الشهوة منتصرةً في نحو تسعين بالمئة من المرّات، وهو ما يدفع للتساؤل: هل هي أعسر امتحانٍ ابتُلي به الإنسان؟ إنه شعورٌ جارفٌ يطلب الانفلات، وإن تُرك دون كبحٍ فقد يهدم بيوتًا ومجتمعاتٍ بأكملها، لا أفرادًا وحدهم.

وتقدّم تايلاند أوضح شاهدٍ على هذا الانفلات حين يصبح اقتصادًا. فمدينة باتايا، التي يطلق عليها كثيرون لقب "عاصمة الجنس في العالم"، صارت وجهةً لسياحة الجنس حتى غدت هذه السياحة أحد روافد الاقتصاد التايلاندي. وعلى الرغم من أنّ الدعارة غير قانونيةٍ رسميًا في البلاد، فإنّ تايلاند تُعدّ من أبرز وجهاتها على مستوى العالم، وقد تحوّلت إلى ظاهرةٍ عالمية خلال العقد الأخير عبر شبكةٍ من الحانات وصالات التدليك التي تتّخذ منها واجهةً تلتفّ بها على القانون. وخلف الأضواء والابتسامات يكمن وجهٌ آخر؛ إذ تأتي أكثر العاملات في هذه التجارة من أرياف الشمال الفقير، تدفعهنّ الحاجة والديون وأعباء الأسرة لا الاختيار الحرّ، فتتحوّل شهوة طرفٍ إلى استغلالٍ لفقر طرفٍ آخر.

فما الذي يدفع رجلًا قادمًا من ألمانيا — وهي بلدٌ تُباح فيه الدعارة أصلًا — ليقطع كل تلك المسافة نحو باتايا؟ الجواب واحدٌ: الشهوة. ففي شهادات السيّاح الأوروبيين أنّ "الفتيات" هنّ السبب الذي يُعيدهم مرارًا؛ يصفونهنّ بالوُدّ والابتسام، ويجدون في الطابع "الغرائبيّ" وفي شعور المغامرة بالتجوال في بلدٍ أجنبيٍّ طلبًا للجنس ما يجذب الآلاف منهم كل عام. إنها رغبةٌ لا يُشبعها التوافر ولا القرب، بل تطلب دائمًا جديدًا وأبعد وأكثر غرابة، وتلك طبيعتها التي لا تَقنع.

وإلى جانب ذلك، تجني صناعة المواد الإباحية سنويًا ما يُقدَّر بنحو 97 إلى 100 مليار دولار — رقمٌ ضخمٌ يتربّح كلّه من الشهوة، ويفوق ما تجنيه قطاعاتٌ ترفيهية كبرى. (وتبقى هذه الأرقام تقديراتٍ تقريبية لصناعةٍ يصعب قياسها، لا إحصاءاتٍ مضبوطة.)

ومن المهمّ ألّا يُفهَم هذا كلّه على أنه شأن الرجال وحدهم. فالشهوة ضعفٌ إنسانيٌّ عامّ يطال الجميع، رجالًا ونساءً، وإن اختلفت صوره. فالرجال ينجذبون غالبًا بالصورة والمشاهد ومواقع الإباحية، بينما تنجذب كثيرٌ من النساء بالكلمة، وتحديدًا أدب الروايات العاطفية المشحون بطابعٍ جنسيٍّ ومظلم. ومع ذلك يبقى حجم المشكلة أوضح وأكبر لدى الرجال، لكنّ الجوهر واحدٌ: استبدالٌ للحقيقة بصورتها، وللعلاقة بوهمها.

ولأنّ هذه النزعة متجذّرةٌ في الطبيعة البشرية، فإنّ الإرادة وحدها لا تكفي لهزيمتها؛ قد تصمد زمنًا ثم تنهار حتمًا. وأبلغ دليلٍ على ذلك أنّ أكثر الرجال انضباطًا وتديّنًا في التاريخ عانوا منها، ومنهم شخصياتٌ كنسيةٌ كبرى ظلّت تصارعها رغم تفرّغها للعبادة. ومن هنا يتقدّم "الفرار منها" على مواجهتها وجهًا لوجه بوصفه الحلّ الأنجع، استنادًا إلى تعبيرٍ دينيٍّ يصف الشهوة بأنها الخطيئة الوحيدة التي يُؤمَر المرء بالهروب منها لا الثبات أمامها. وتُشبَّه بصخرةٍ على قمّة تلّ: ما إن تُدفع قليلًا حتى تتدحرج، وعند نقطةٍ معيّنة لا يعود إيقافها ممكنًا فتسحق صاحبها؛ فالحكمة إذًا ألّا تُدفع من الأساس.

وتقع وسائل التواصل في قلب النقد باعتبارها البوّابة التي تُسهّل هذا الدفع؛ فحتى صورةٌ عابرةٌ على إنستغرام تُثير الجزء ذاته من الدماغ. وحين يُقارَن جيلُ اليوم بجيل الآباء الذين كان وصولهم محدودًا ومحفوفًا بالمخاطرة — إذ كان الأمر يتطلّب مجلةً ورقيةً يُخشى أن يُضبَط صاحبها — يتبيّن أنّ تلك القيود نفسها صنعت التزامًا أعمق. أما اليوم، فكلّ شيءٍ متاحٌ في أيّ لحظةٍ وبلا كلفة، فصار حملُ الانضباط على عاتق الفرد وحده أثقل بما لا يُقاس.

ولا يقف أثر هذا الإدمان عند حدوده الضيّقة، بل ينخر الطاقة والتركيز والإنتاجية، ويتسلّل كالبذرة الصغيرة ليُفسد جوانب أخرى من الحياة كلّها. فمن يستسلم له كثيرًا يجد نفسه أقلّ حيويةً وأضعف عزيمةً وأعجز عن إنجاز ما ينبغي إنجازه. يُضاف إلى ذلك أنّ المسلسلات والأفلام بمشاهدها الصريحة تشوّه التوقّعات وتزرع معاييرَ غير واقعيةٍ عن الشكل والعلاقات، حتى يصير المرء ينظر إلى الناس من حوله بعينٍ مشروطةٍ لا يكاد يشعر بها.

وفي المقابل تنهض صورةُ جيلٍ تزوّج مبكّرًا والتزم بشريكٍ واحدٍ وعاش حياةً وفيّةً سعيدة، لتقف نقيضًا لبؤس "ثقافة العلاقات العابرة" التي تؤذي الناس نفسيًا وتُفسد زيجاتهم لاحقًا. فما حماه القيدُ في الماضي صار اليوم مكشوفًا أمام إغراءٍ لا ينقطع، والفارق كلّه في الانضباط.

ولا يكتمل علاج "الفرار" إلا بحلٍّ ثانٍ مكمّل: امتلاك "شيءٍ تسعى إليه" في الحياة؛ مشروعٍ أو مسارٍ تتقدّم فيه ولو ببطء. فالدماغ يلاحق الأولوية، وحين يوجد هدفٌ حقيقيٌّ يصبح هو الأولوية التي تُزيح ما عداها. وتدعم ذلك دراسةٌ من جامعة هارفارد ترى أنّ أقوى محفّزٍ للإنسان هو رؤية تقدّمٍ صغيرٍ متواصلٍ في عمله؛ فما إن يبدأ المرء يرى نتائج جهده حتى يتعلّق بها تعلّقًا يُنسيه ما سواها. بل إنّ امتلاك الطموح يزيد الجاذبية نفسها، إذ تنجذب المرأة إلى الرجل الذي يمضي نحو هدفٍ بقدر ما تنجذب إلى مظهره أو أكثر.

وفي النهاية، تبقى حقيقةٌ لا مفرّ منها: الشهوة عيبٌ إنسانيٌّ مُلازم، لا تُهزَم ولا تُستأصَل، وإنما تُضبَط وتُروَّض. فالغاية ليست أن يَبلغ المرء يومًا يتحرّر فيه منها تمامًا، فذلك وهمٌ يُمنّي به النفسَ ثم يُسلِمها إلى الانتكاس؛ بل الغاية أن يُمسك بزمامها كلّما همّت بالانفلات، وأن يُبقيها خادمةً لا سيّدة. إنّ من ينتظر النصر النهائيّ يخذله أوّل اختبار، ومن يرضى بالمعركة اليومية الصغيرة — معركة الضبط لا الاستئصال — هو وحده من يظلّ سيّد نفسه. فالشهوة لا تُغلَب مرّةً واحدة إلى الأبد، لكنها تُحكَم كلّ يومٍ من جديد، وفي هذا الإحكام المتجدّد تكمن إنسانية الإنسان وكرامته.

شارك هذا المقال

→ المقال التالي المقال السابق ←

التعليقات (0)

تعليقات