الخلفية المسيحية لفيروز

 

فيروز على المسرح بإطلالتها السوداء المميّزة
فيروز على المسرح — الصوت الذي حمل تراث المشرق المسيحي إلى الوجدان العربي الجامع.

يسمع الملايين في العالم العربي صوت فيروز كلّ صباح، يحبّونه ويردّدونه، دون أن يسأل أحدهم: ما دينُها؟ ومن أيّ طائفةٍ هي؟ لكنّ القليلين يعرفون أنّ هذه السيدة التي صارت «صوت لبنان» هي في الأصل مسيحيةٌ شرقية، نشأت على ترانيم الكنيسة، وغنّت آلام المسيح وأعياد العذراء قبل أن تغنّي للحبّ والوطن.

وهنا تكمن المفارقة الجميلة: امرأةٌ من طائفةٍ مسيحية واحدة، حملت بصوتها تراثًا دينيًّا خاصًّا جدًّا، فإذا به يتحوّل على لسانها إلى ثقافةٍ يتشاركها اللبنانيون جميعًا، مسلمين ومسيحيين، بل والعرب من المحيط إلى الخليج. كيف حدث هذا؟ وكيف صار الطقس الكنسيّ جسرًا بين الناس بدل أن يكون حاجزًا بينهم؟ هذه حكاية الخلفية المسيحية لفيروز.

عائلةٌ مسيحية من زقاق البلاط

اسمها الحقيقي نهاد رزق وديع حدّاد. وُلدت في العشرينيات من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1935 في حيّ زقاق البلاط ببيروت، لعائلةٍ مسيحية تنتمي في أصولها إلى السريان الأرثوذكس؛ والدها يعمل في مطبعة، ووالدتها ليزا البستاني. هذه الخلفية ليست تفصيلًا في السيرة، بل هي المفتاح الذي يفسّر لاحقًا كيف صار صوتها قادرًا على حمل تراث الكنائس الشرقية بكلّ طبقاته، من السرياني إلى البيزنطي إلى الماروني.

في نهاية الأربعينيات اكتشف الموسيقيّ محمد فليفل موهبتها وهو يبحث عن أصوات لكورس الإذاعة اللبنانية، فأدخلها المعهد العالي للموسيقى (الكونسرفاتوار). وأُعجب المدير الموسيقي للإذاعة آنذاك، حليم الرومي، بصوتها واقترح لها الاسم الفنيّ «فيروز» — مخيّرًا إيّاها بينه وبين اسم «شهرزاد». ثم كان اللقاء المصيري مع الأخوين عاصي ومنصور الرحباني مطلع الخمسينيات، ليولد من هذا التلاقي مشروعٌ فنيّ غيّر وجه الأغنية العربية.

لماذا «صوت فيروز» تحديدًا؟

لم يكن اختيار عاصي الرحباني لهذا الصوت اعتباطيًا. إلى جانب جمال الصوت ودقّة مخارج الحروف، تميّز أداء فيروز بضبط النَّفَس والتعبير المحايد المتمنّع عن أيّ انفلاتٍ شعوريّ لحظيّ — صوتٌ مدروسٌ مهندَسٌ إلى حدٍّ ما، مقتصدٌ في الزخارف الشرقية «التطريبية» المألوفة. أراده عاصي صوتَ المغنّية لا المطربة؛ صوتًا «موضوعيًّا» نتائجه مضمونة، يصدح خارج المعجم الشرقيّ المتوارَث.

هذا الحياد التعبيريّ هو بالضبط ما منح الصوت قدرته العابرة. فبهذا الترفّع عن «الملموس اليومي» ترسّخت في الوجدان الجماهيري فكرة «الصوت الملائكي»، الصوت المرفّع عن الانحيازات. ولم تمرّ سوى عشر سنوات على زواجها من عاصي (1955) حتى صارت فيروز الصوت الأنسب — إن لم يكن الوحيد — القادر على تخطّي الحواجز الدينية والقومية دون أيّ تردّد أو استهجان.

أسطوانة الجمعة الطيبة: حين خرجت التراتيل من الكنيسة

في عام 1965 صدرت عن «صوت الشرق» في بيروت أسطوانة «ترانيم الجمعة الطيبة» — والمعروفة عالميًّا باسمها الإنجليزي Good Friday Eastern Sacred Songs — وتحوي عشر تراتيل مرتبطة بأسبوع الآلام وعيد الفصح (سُجِّلت على ثلاث مراحل: 1962 و1964 و1965). تبدو الأسطوانة للوهلة الأولى عملًا دينيًّا بسيطًا، لكنها في الحقيقة تمثّل نقطة تحوّلٍ ثقافية كبرى، لما حملته من تجديدات «بكريّة» لم يسبق إليها أحد في الشرق:

صوت المرأة في الطقس. ثمّة تحفّظٌ تاريخيّ شديد على استخدام صوت المرأة في القدّاس الإلهي عند معظم الكنائس، شرقيّها وغربيّها. وبينما كانت الكنيسة السريانية والمارونية أكثر ليونةً في هذا الباب، فإنّ نقل هذه الأصوات النسائية إلى أسطوانةٍ تُذاع للعموم كان خطوة جريئة بحدّ ذاتها.

دمج مواريث طوائف متباينة. جمعت الأسطوانة تراتيل من أصولٍ سريانية ومارونية وبيزنطية ولاتينية في عملٍ واحد، إلى درجة أنه يصعب اليوم حتى على كثيرٍ من المرتّلين تمييز الأصول المذهبية لهذه التراتيل. وهكذا تأكّد «المقام المشترك» لترانيم كنائس المنطقة جميعها.

نقلها إلى الحيّز الفنيّ العام، بالعربية. منذ لحظة صدور الأسطوانة، صار بمقدور أيّ شخص أن يستمع إليها في كلّ زمانٍ ومكان، فلم تعُد محصورة بفترةٍ أو طائفةٍ أو دار عبادة. بذلك عُمِّمت هذه المواريث المسيحية–الشرقية على جميع الناطقين بالعربية، على اختلاف دياناتهم.

بالنتيجة تحوّلت الأسطوانة إلى أيقونةٍ روحية–فنية تلخّص عِبَر «أسبوع الآلام»، وساعدت على «توطين» المسيح بوصفه شخصية بطولية–تراجيدية في الثقافة العربية، بملامحه الشرقية المنتمية لمناخاتنا، بخلاف المخيال الغربي–الهوليوودي القائم على شخصٍ أشقر الشعر أزرق العينين.

بل إنّ أداء فيروز صار نموذجًا يقلّده بعض المرتّلين في الكنائس نفسها، حتى ظنّ مستمعون شبّان أنّ هذه الألحان «فيروزية» الأصل! ومن أشهر تراتيل هذه الأسطوانة: «أنا الأمّ الحزينة» (موروث سرياني/ماروني بلسان مريم العذراء)، و«طرق أورشليم»، و«يا شعبي وصحبي»، و«اليوم عُلِّق على خشبة» (موروث بيزنطي مهيب يصف مشهد الصلب)، و«يا يسوع الحياة» (من كلمات وألحان الأب السوري رومانوس الحمصيّ المرنّم المتوفى نحو 560م)، وصولًا إلى بشرى القيامة في «المسيح قام» المنسوبة إلى القديس يوحنا الدمشقي.

من الميلاد إلى الشهر المريمي: ذاكرة دينية كاملة

لم تتوقّف فيروز عند آلام المسيح. فقد ارتبط بصوتها طيفٌ واسع من الطقوس المسيحية: ترانيم الميلاد («ليلة عيد»، «تلج تلج»، «نجمة العيد»، «سبحان الكلمة»)، وتراتيل العذراء مريم في الشهر المريمي («يا مريم البكر»، «يا أمّ الله»)، إضافةً إلى ألبوماتٍ مستوحاة من الكتاب المقدّس مثل «أسبوع الآلام» و«نبع الينابيع». بات صوتها مرافقًا ثابتًا لكلّ موسمٍ ديني، حتى صارت ترانيمها اليوم جزءًا من احتفالات الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية على حدّ سواء.

والمعروف أنّ فيروز شخصية متديّنة تحرص على حفظ التقاليد التي نشأت عليها. وحتى بعد اعتزالها الشأن العام لسنوات، بقيت تطلّ كلّ عام في مناسبة الجمعة العظيمة عبر ترانيم تُسجَّل في إحدى الكنائس. وبفضل شهرتها الواسعة، حوّلت — كما يقول كثيرٌ من الدارسين — هذه التقاليد الخاصة بديانةٍ واحدة إلى ثقافةٍ جامعة في لبنان.

«غنّيتُ مكّة»: حين عبر الصوت المسيحي إلى الضفّة الأخرى

في العام 1966 — أي بعد «ترانيم الجمعة الطيبة» بعامٍ واحد — حدث ما يكمّل الصورة. أطلقت المدرسة الرحبانية أغنية «غنّيتُ مكّة»: كلماتها للشاعر الماروني سعيد عقل، وألحانها للأخوين الرحباني الأرثوذكسيين، وغنّتها فيروز السريانية. ثلاثة مسيحيين يصنعون أغنيةً عن مكّة والحجّ، تبثّها لاحقًا التلفزة السعودية في أول ظهورٍ لسيدةٍ على شاشتها.

القصة وراء الأغنية بليغة: فقد طلبت فيروز من سعيد عقل أن يكتبها إكرامًا للمخرج المسلم صبري الشريف، الذي أخرج لها ولِلرحابنة أعمالًا كثيرة منها أعمالٌ دينية مسيحية. روى عقل أنّ فيروز قالت له ما معناه: هذا الرجل أخرج لنا كلّ ما قدّمناه للكنيسة، ولو أنّه مسلم، فلا يجوز أن نُلغي ديانته. فكان الردّ قصيدةً في مكّة، تكريمًا له.

هنا تتّضح الفكرة الأعمق: لم يتعامل هؤلاء مع الإسلام بوصفه «شأن الآخر»، بل مع مكّة باعتبارها جزءًا من الجغرافيا الروحية العربية المشتركة. فالشرق العربي المسيحي، في لبنان خصوصًا، كان جزءًا من المجال اللغوي والرمزي الإسلامي من داخل العربية نفسها. لم تكن الأغنية قفزةً خارج عالم الرحابنة، بل امتدادًا طبيعيًّا للغةٍ موسيقيةٍ عربية مشتركة، انتقلت بسلاسةٍ من ترانيم الجمعة العظيمة إلى قصيدةٍ في مكّة.

لبنانُ الفسيفساء: المشروع الرحباني كبناءٍ لهويّةٍ موحَّدة

يصعب فهم هذا كلّه بمعزلٍ عن لحظة لبنان التاريخية. فالمدرسة الرحبانية وُلدت في خمسينيات دولةٍ شابّةٍ حديثة الاستقلال، ذات تركيبٍ دينيّ ومذهبيّ متنوّع يقترب من التوازن أكثر من أيّ دولةٍ أخرى. كانت مهمّة هذا الجيل المثقّف رسمَ ملامح خاصة لصوت الوطن اللبناني وشخصيّته؛ إثبات أنّ لبنان جديرٌ بالتحوّل من «جبل لبنان» كإقليمٍ سوري إلى «دولةٍ» مستقلّة في كلّ شيء، بما في ذلك الموسيقى والفنون، كي لا يبقى الاستقلال «على الورق».

ومن هذا الشغف بكسر الجمود الفنيّ، ولد مناخٌ وحدويّ يبحث بصدقٍ عن المشترك بين جميع شرائح المجتمع ودياناته. وكان صوت فيروز هو البلّورة الأمينة التي تتلألأ فيها كلّ هذه الرؤى الحداثية. صوتٌ يطرح معايير جديدة للنغم والفكر، لجمال الطبيعة والإنسان كما لجمال الروح والعقيدة.

رمزُ الوحدة في زمن الحرب

حين انفجرت الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990)، رفضت فيروز أن تُجَرّ إلى خصوماتٍ سياسية أو دينية. توقّفت عن الغناء داخل لبنان طوال سنوات الحرب كي لا تُحسَب على فئةٍ ضدّ أخرى، وحتى حين فقدت ابنتها ليال إثر قصفٍ أصاب منزلها، ظلّت على موقفها. والمفارقة الدالّة أنّ أغنياتها كانت تتصدّر الإذاعات المتناحرة على جانبي خطوط القتال جميعًا — صوتٌ واحد يصدح فوق كلّ المتاريس.

من هنا صارت فيروز ما هي عليه اليوم: «سفيرتنا إلى النجوم»، و«جارة القمر»، و«أرزة لبنان». في عام 2020، حين زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بيروت غداة انفجار المرفأ وفي ذكرى مئوية لبنان الكبير، بدأ زيارته بلقائها، وقلّدها وسام جوقة الشرف باعتبارها «رمزًا وطنيًّا نادرًا يلتقي على اسمه اللبنانيون». وحين يجتمع اللبنانيون — من الموارنة والروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك والأرمن، إلى المسلمين بمختلف طوائفهم — حول صوتٍ واحد، فإنّهم يجتمعون حول فكرةٍ عن الوطن أكبر من انقساماتهم.

يسمع العربُ في كلّ مكان أغاني فيروز، ولا يعرفون بأيّ دينٍ تدين، ولا إلى أيّ طائفةٍ تنتسب. كلّ ما يعرفونه أنها فنانةٌ تجمع اللبنانيين كلَّهم في وطنٍ ينبغي أن يكون هو الأوّل قبل كلّ شيء.

خلاصة: حين يصير الطقس وطنًا

الخلفية المسيحية لفيروز لم تكن سجنًا طائفيًّا، بل نقطة انطلاق. فمن قلب الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، حملت تراث المشرق المسيحي كلّه — السرياني والماروني والبيزنطي — إلى الفضاء العام، وأعادت رسم المسيح والعذراء بملامحَ شرقيةٍ عربية. وفي العام نفسه تقريبًا، عبر صوتها إلى الضفّة الإسلامية بـ«غنّيت مكّة»، فأثبت أنّ الجغرافيا الروحية العربية أوسع من حدود الطوائف.

هذا هو لبنان في أبهى صوره النظرية: بلدٌ يشبه الفسيفساء، تزدهر فيه الأديان والمذاهب جنبًا إلى جنب، ويجد في فنٍّ كهذا مرآةً لتعدّده. لم تُلغِ فيروز هويّتها المسيحية لتصير جامعة، بل صارت جامعةً لأنها قدّمت خصوصيّتها بصدقٍ وانفتاح، فاستقبلها الجميع لا بوصفها «صوت طائفة»، بل بوصفها — ببساطةٍ — صوت لبنان.

فهل سبق أن أصغيتَ إلى ترانيم فيروز المسيحية؟ وهل كنتَ تعرف أصلًا أنّ فيروز مسيحيةٌ أرثوذكسية؟ ربّما حان الوقت لتسمع «آلام المسيح الشرقيّ، بحسب فيروز» كما لم تسمعها من قبل.

استمع إلى الأسطوانة كاملةً على Spotify ←

شارك هذا المقال

→ المقال التالي المقال السابق ←

التعليقات (0)

تعليقات