يُعدّ إيلي كوهين من أشهر عملاء جهاز الموساد الإسرائيلي في القرن العشرين، ليس فقط لما نقله من معلومات، بل لعمق تغلغله في النخبة السورية الحاكمة خلال سنواتٍ قليلة. وقد دخل سوريا عام 1962 متخفّياً تحت اسم مستعار هو «كامل أمين ثابت»، متظاهراً بأنه رجل أعمالٍ مغترب ثري عائد من الأرجنتين، فنجح في اختراق دوائر السلطة بدمشق ومصادقة ضباطٍ ومسؤولين كبار.
النشأة والتجنيد
وُلد كوهين
عام 1924 في الإسكندرية لعائلة يهودية من أصولٍ سورية تعود جذورها إلى حلب. أتقن
العربية والفرنسية والإنجليزية، وهو مزيجٌ لغوي جعله مرشحاً مثالياً للعمل
الاستخباراتي. وبعد أزمة السويس عام 1956 طُرد من مصر ضمن حملةٍ استهدفت اليهود
الصهاينة، فاستقرّ في إسرائيل عام 1957. ورغم أن الموساد رفض تجنيده في البداية،
أُعيد استقطابه نحو عام 1960 على خلفية تصاعد التوتر مع سوريا، وخضع لتدريبٍ مكثّف
دام ستة أشهر شمل التشفير والإرسال اللاسلكي وفنون التخفّي.
هويةٌ مستعارة وطريقٌ إلى دمشق
مُنح كوهين
هوية «كامل أمين ثابت»: رجل أعمالٍ سوري ثري عائد من الأرجنتين. وللإيهام بصحة
الغطاء، انتقل أولاً عام 1961 إلى بوينس آيرس حيث نسج علاقاتٍ مع الجالية السورية
وبعض موظفي السفارة، ومن بينهم الملحق العسكري أمين الحافظ الذي سيغدو لاحقاً
رئيساً لسوريا. ثم انتقل إلى دمشق في فيفري 1962، واستقرّ في حي أبو رمانة القريب
من السفارات والمقارّ الحكومية الحسّاسة.
التغلغل في النخبة
اعتمد كوهين
أسلوباً اجتماعياً بارعاً: حفلاتٌ سخيّة في منزله يحضرها ضباطٌ ومسؤولون ورجال
أعمال، يُغدق فيها المال والمشروبات ويُصغي بانتباهٍ إلى أحاديثهم وهم في حالة
استرخاء. وبعد انقلاب حزب البعث عام 1963 ووصول أمين الحافظ إلى السلطة، اتّسعت
دائرة نفوذه؛ فصار يُستشار ويُقرض ويُدعى إلى مواقع لا يبلغها إلا قلّة. وهذا ما
أتاح له نقل تفاصيل عن الخطط العسكرية والمشاريع السورية، ومنها مشروع تحويل منابع
نهر الأردن.
الجولان وقصّة الأشجار
أبرز ما
يُنسب إلى كوهين زياراته لتحصينات هضبة الجولان، حيث رافقه ضباطٌ كبار وشرحوا له
مواقع المدفعية والخنادق ومصائد الدبابات. وتتردّد قصةٌ شهيرة مفادها أنه اقترح
على السوريين زرع أشجار الكينا قرب المواقع بحجّة تظليل الجنود، لتتحوّل تلك
الأشجار إلى علاماتٍ دالّة استعان بها الطيران الإسرائيلي عام 1967. غير أن عدداً
من المؤرخين يتعاملون مع هذه الحكاية بوصفها روايةً يصعب التحقق منها، وأقرب إلى
الأسطورة التي تكرّست في الأدبيات الإسرائيلية منها إلى واقعةٍ مثبتة.
أسطورة «نائب وزير الدفاع»
تتكرّر في
كثيرٍ من الروايات الإسرائيلية فكرة أن كوهين كان مرشّحاً لمنصب «نائب وزير
الدفاع». لكن هذه المقولة تستحقّ وقفةً نقدية: فمنصب نائب وزير الدفاع لم يكن
قائماً أصلاً في الهيكل التنظيمي السوري في تلك الحقبة، وكان مثل هذه المواقع
محصوراً بالعسكريين لا المدنيين. بل إن بعض المراقبين الإسرائيليين أنفسهم يصنّفون
الرواية في خانة الدعاية المبالغ فيها لا الحقيقة الموثّقة. والأرجح أن ما جرى لا
يتعدّى تقديراً اجتماعياً فخرياً لشخصيةٍ ثرية ونافذة، جرى تضخيمه لاحقاً لخدمة
صورة «الجاسوس الأسطورة».
الكشف والإعدام
في مطلع عام
1965 كثّفت الأجهزة السورية، بمساعدة خبراء ومعدات رصدٍ سوفيتية، جهودها لتعقّب
إرسالٍ لاسلكي مشبوه. وكشف رئيس الموساد عام 2022 أن آخر برقيةٍ لكوهين في التاسع
عشر من جانفي قد اعتُرضت، لتُداهم قواتُ الأمن شقّته ويُعتقل في الرابع والعشرين
من الشهر نفسه. وبعد محاكمةٍ عسكرية، ورغم مناشداتٍ دولية شملت البابا بولس السادس
ورؤساء دول، صدر بحقّه حكم الإعدام، ونُفّذ شنقاً علناً في ساحة المرجة بدمشق يوم
الثامن عشر من ماي 1965.
ما بعد المشنقة
رفضت سوريا
تسليم رفاته، ويُقال إنه دُفن أكثر من مرة لإحباط أي محاولةٍ لاستعادته. وفي عام
2018 أعلنت إسرائيل استرجاع ساعته. وفي ماي 2025، تزامناً مع الذكرى الستين
لإعدامه، أعلن الموساد استعادة نحو 2500 وثيقةٍ ومقتنى تشكّل أرشيف المخابرات
السورية الكامل عنه، من بينها وصيّته الأخيرة وجوازات مزوّرة ومفاتيح شقّته
وتسجيلات تحقيق، سُلّمت إلى أرملته ناديا. وتمّت العملية بعد سقوط نظام الأسد
أواخر عام 2024.

التعليقات (0)
تعليقات
إرسال تعليق