في زمنٍ صارت فيه الصورة أهمّ من الحقيقة، برزت في المشهد العربي شخصيةٌ غريبة يمكن أن نسمّيها «الرجل الاستعراضي» أو «Performative Male»؛ رجلٌ لا يعيش قناعاته بل يمثّلها، ولا يحمل مبادئه بل يعرضها كما تُعرض السلع في واجهة محلّ. لم تعد المسألة مسألة ذوقٍ شخصي أو اهتمامٍ عابر، بل تحوّلت إلى سلوكٍ اجتماعيّ منظّم يهدف إلى شيءٍ واحد: انتزاع الإعجاب وجذب الانتباه بأقلّ قدرٍ ممكن من الصدق.
مسرحٌ اسمه الحياة اليومية:
تبدأ الحكاية بمشهدٍ مألوف: شابٌّ يجلس في ركنٍ من مقهى عصريّ، أمامه كوب «الماتشا» الأخضر، وبين يديه كتابٌ فلسفيّ مفتوح على صفحةٍ يحرص ألّا يقلبها. كلّ شيءٍ محسوب: زاوية الجلوس، عنوان الكتاب الظاهر للمارّة، نظرة التأمّل المصطنعة. إنه لا يقرأ ليفهم، بل يقرأ ليُرى وهو يقرأ. الكتاب هنا ليس معرفةً بل ديكور، والمقهى ليس مكاناً للراحة بل خشبة مسرح.
هذا النوع من الرجال أتقن فنّ ادّعاء الثقافة والوعي والحساسية المفرطة. يتكلّم بمفرداتٍ رنّانة عن «العمق» و«الوعي» و«الهشاشة الجميلة»، ويصطنع رقّةً زائدة عن الحدّ ليقول للجميع: انظروا، أنا مختلف، أنا لست كبقية الرجال. لكنّ هذا الاختلاف المزعوم ليس نابعاً من داخله، بل مستعارٌ من آخر ما يروج على الشاشات.
عبوديّة الترند:
جوهر المشكلة أنّ شخصية هذا الرجل غير ثابتة، فهي تتبدّل مع كلّ موجةٍ عابرة. اليوم يقتني إكسسواراً معيّناً لأنه «موضة»، وغداً يتبنّى رأياً صادماً لأنه «رائج»، وبعد غدٍ يغيّر اهتماماته كلّها لأنّ الجمهور انتقل إلى اتجاهٍ جديد. إنه أشبه بمرآةٍ لا صورة لها، تعكس ما أمامها فقط.
والأخطر أنّ هذا التقلّب المستمرّ يخفي فراغاً حقيقياً: غياب الثوابت والمبادئ. فمن يبني هويته على ما يعجب الناس، يفقد القدرة على أن يكون شيئاً على الإطلاق حين يختفي الناس. لا يملك قناعةً يدافع عنها في العتمة، ولا موقفاً يتمسّك به حين لا تلتفت إليه الكاميرات. كلّ ما يملكه هو حساسيته تجاه ما هو «تريند»، وقدرته على ارتداء الأقنعة بسرعة.
لغةٌ مستعارة وقناعٌ إنجليزي:
من أوضح علامات هذا التمثّل حشو الكلام بمفرداتٍ إنجليزية في غير موضعها. لم يعد الأمر استعمالاً طبيعياً لكلمةٍ لا مقابل لها، بل صار تباهياً: يقحم كلماتٍ ثابتة مثل «deep» و«like, yeah» في كلّ جملة، ويردّد الـ«memes» الرائجة مثل «6-7» بلا أيّ معنى حقيقيّ سوى أنها «ترند». بل ويتباهى بالشتائم الإنجليزية ظنّاً أنها تمنحه جرأةً و«كاريزما»، فتراه يقذف بعباراتٍ مثل «WTF» و«I don't give a fuck» وغيرها في مواضع لا تستدعيها، ظنّاً منه أنّ الكلمة الأجنبية — ولو كانت سُبّة — تمنحه هالةً من الرقيّ والتميّز. والمناسبة المفضّلة لهذا العرض اللغوي هي حضور الفتيات؛ فهناك يرتفع منسوب الإنجليزية فجأة، وتتحوّل المحادثة إلى استعراضٍ لمفرداتٍ محفوظة من الإنترنت، لا إلى حوارٍ حقيقيّ.
وأبعد من ذلك، صار كثيرٌ منهم مجرّد نسخٍ مكرّرة من الاتجاهات الغربية على الشاشات: يقلّدون الـ«memes» ذاتها، ويردّدون العبارات «الترندية» نفسها، ويتبنّون كلّ كلمةٍ رائجة بمجرّد ظهورها، حتى تفرّغت شخصياتهم من أيّ ملمحٍ أصيل. المشكلة أنّ هذا القناع المستورد لا «يُقنع» في بيئته؛ فاللغة والمرجعيات والنكتة كلّها منقولةٌ من سياقٍ آخر، فتبدو غريبةً ومفتعلة حين تُزرع في واقعٍ لا ينتمي إليها.
والنتيجة أنّ الهوية الحقيقية تُنسى تماماً. شابٌّ يعيش في مجتمعٍ له لغته وتاريخه ورموزه، يختار أن يمثّل شخصيةً ليست له ولا لمكانه، فيصير ثقيلاً على النفس «cringy» بدل أن يكون مؤثّراً. إنّ من يتنكّر لما يجب أن يمثّله — لغته وأصله وقيمه — لا يكسب هوية جديدة، بل يفقد هويته الوحيدة التي كانت تخصّه.
لماذا الشرق الأوسط تحديداً؟
قد يبدو الأمر ظاهرةً غربية في أصلها، لكنها وجدت في مجتمعاتنا العربية تربةً خصبة. فمع انتشار الهواتف الذكية والاعتماد الكامل على منصّات مثل إنستغرام وتيك توك وإكس، صار الشباب أكثر عرضةً لقياس قيمتهم بعدد الإعجابات والمتابعين. وفي مجتمعٍ يعيش توتّراً بين الأصالة والحداثة، وجد بعض الشباب في «التمثّل» طريقاً مختصراً لصناعة هويةٍ جاهزة بلا عناء البحث الحقيقي عن الذات.
الأزمة الثقافية أعمق من مجرّد تقليد: إنها أزمة معنى. حين يعجز الشابّ عن بناء قيمته من الداخل — من علمٍ حقيقيّ، أو مهارةٍ فعلية، أو موقفٍ أخلاقيّ صادق — يلجأ إلى تأثيث سطحه الخارجيّ بما يبهر. يستورد الشكل من ثقافةٍ أخرى وينسى المضمون، فيبدو غريباً عن أصله، غير مقنعٍ في تقليده.
كيف نميّز الأصيل من المزيّف؟
الفارق بسيطٌ في جوهره: الرجل الأصيل يفعل ما يفعله لأنه يحبّه، سواء رآه الناس أو لم يروه. يقرأ لأنه يريد أن يعرف، ويتعاطف لأنه يشعر فعلاً، ويتبنّى موقفاً لأنه مقتنعٌ به وإن خالف السائد. أما المزيّف فكلّ فعلٍ عنده مشروطٌ بوجود جمهور؛ فإذا غاب المتفرّجون سقط القناع وظهر الفراغ.
الرسالة التي يجب أن تصل إلى شبابنا واضحة: كن حقيقياً ومميّزاً بناءً على تجاربك الشخصية، لا على ما يفرضه عليك الاتجاه الرائج. التميّز الحقيقي لا يُشترى من متجرٍ ولا يُقلّد من فيديو، بل يُبنى ببطءٍ من معرفةٍ ومواقف وتجارب صادقة. أما الإعجاب المنتزَع بالتمثيل فهو إعجابٌ بلا قيمة، لأنه موجّهٌ إلى قناعٍ لا إلى إنسان.
خاتمة: لا تمنحهم ما يتصيّدونه:
في النهاية، وقود هذه الظاهرة هو الانتباه نفسه. الرجل الاستعراضي يعيش على أنظار الآخرين، وكلّ نظرة إعجابٍ أو استنكارٍ تغذّي حاجته للاستعراض. ولذلك فإنّ أذكى ردّ ليس السخرية العلنية ولا الجدال، بل الحرمان الهادئ من الاهتمام الذي يتصيّده.
مجتمعاتنا في حاجةٍ إلى رجالٍ يبنون أنفسهم في الصمت، لا يستعرضون فضائلهم كأوسمة. الأصالة ليست ترنداً يمرّ، بل موقفٌ يدوم. وحين نتعلّم أن نقدّر الجوهر لا الواجهة، سيفقد «التمثّل» جمهوره، ويعود الوعي وعياً، والحساسية صدقاً، والإنسان إنساناً.

التعليقات (0)
تعليقات
إرسال تعليق