كيف صنع الإنستغرام جيلاً لا يتزوّج ؟

 




لم يكن الوصول إلى الآخر أسهل مما هو عليه اليوم. تفصلنا عن آلاف الوجوه مسافة إبهامٍ واحد، وتكفي حركةٌ سريعة على الشاشة لنعبر من مدينةٍ إلى أخرى، ومن حياةٍ إلى حياة. ومع ذلك، لم يسبق لجيلٍ أن بقي مُعلّقاً بهذا الشكل: يتواصل كثيراً ويرتبط قليلاً، يشاهد الجميع ولا يختار أحداً. لقد وعدَنا إنستغرام بوفرةٍ لا تنتهي من الخيارات، فسلبنا في المقابل القدرة على أن نكتفي بواحد. والنتيجة سوقٌ للعلاقات بارد و محبط .

المعرض الذي ظنّناه سوقاً

المفارقة الأولى أنّ ما يمرّ أمام أعيننا يومياً ليس صورة الواقع، بل نسخته المنمّقةالخوارزمية  تعرض علينا إلا القمّة: الوجوه المصقولة، والأجساد المُفلترة، وأنماط الحياة المُخرَجة بعناية. هكذا يظنّ الشابّ أنّ «الفتاة المتوسّطة» تملك آلاف المتابعين و تسافر إلى أماكن عديدة و تحظى بآلاف الليكات  و تظنّ الفتاة أنّ الرجل «العاديّ» يسافر شهرياً ويقود سيارةً فارهة. يتحوّل الاستثناء إلى معيار، ويصبح ما نراه على الشاشة هو خطّ الانطلاق الذي نقيس عليه كلّ من نلتقيه في الحقيقة. لم نعد ننظر إلى بِركة المُتاح، بل إلى واجهة عرضٍ لا يدخلها إلا الأجمل.

حين تعيد الخوارزمية ضبط التوقّعات

هنا يبدأ تضخّم المعايير. فحين يتغذّى النظر يومياً على نموذجٍ مثاليّ للرجل ثراءٌ ظاهر، وعقلٌ «منفتح»، ومفرداتٌ عاطفية جاهزة تعلّمها من منشورات التنمية الذاتية يرتفع سقف الانتظار بلا وعي. تبدأ كثيرٌ من الفتيات في فرز الرجال وفق قائمةٍ صاغها لهنّ الخطّ الزمنيّ لا التجربة: أن يكون ميسوراً كصاحب الرحلات، ومتحرّراً كضيوف البودكاست، وحسّاساً كأبطال المقاطع القصيرة، وطموحاً كرجال الأعمال الذين يظهرون بين إعلانين. والمشكلة ليست في الطموح بحدّ ذاته، بل في أنّ المعيار مُستمَدٌّ من واجهةٍ لا وجود لها. وقد وصف تقريرٌ نشرته «عرب نيوز» وسائلَ التواصل بأنها تخلق «تصوّرات غير واقعية ومبالغاً فيها» عن شريك المستقبل، وهو توصيفٌ دقيق: فكلّما اتّسع المعروض على الشاشة، ترسّخ الشعور بأنّ خياراً أفضل يبعد نقرةً واحدة.

وفرةٌ تُنتج التردّد لا الرضا، وتجعل كلّ إنسانٍ حقيقيّ خاسراً أمام بديلٍ مُتخيَّلٍ لم يأتِ بعد.

هذا ما يسمّيه الباحثون «مفارقة الاختيار»: كلّما كثُر المعروض قلّ الرضا، لأنّ العين تظلّ معلّقةً بما لم تختره بعد. وحين تُبنى معايير الشريك على معرضٍ لا يمثّل إلا واحداً في المئة من الناس، يصبح الرجل الواقعيّ بدخله المحدود، ووجهه بلا فلتر، وحياته بلا إخراج خاسراً سلفاً في مقارنةٍ غير عادلة أصلاً.

اصطدام النموذجين

وحين ننظر بالعين العربية، يتّضح أنّ الصدام مزدوج. فعلى ضفّةٍ، ما زال قسمٌ واسع من الشباب يبحث عن الزوجة المُحتشمة، الهادئة، المتمركزة حول البيت والأسرة، وفق نموذجٍ محافظٍ ورثه عن جيل الآباء و الدين. وعلى الضفّة المقابلة، تشكّلت لدى كثيرٍ من الفتيات صورةٌ للرجل المنشود صاغتها الشاشة: ميسورٌ مادياً، متحرّرٌ فكرياً، «تقدّميّ» في مواقفه. والنموذجان لا يلتقيان: فالرجل المحافظ نادراً ما يكون «التقدّميّ» الذي تنتظره، والفتاة التي تحمل توقّعات الشاشة نادراً ما تكون «ربّة البيت» التي يتخيّلها. كلّ طرفٍ يطلب في الآخر ما لم يعد يوجد إلا على الشاشة، فيمرّ كلاهما بجانب الآخر دون أن يتوقّف.

ثمّ تأتي الطبقة الاقتصادية لتزيد الهوّة عمقاً. فحتى الرجل المستعدّ لبلوغ السقف الماديّ المطلوب يصطدم بغلاء السكن، وارتفاع كلفة الزواج، وتأخّر الاستقلال المهنيّ. تخبرنا الأرقام أنّ نحو خمسةٍ وستين في المئة من الشباب السعوديّ بين الخامسة عشرة والرابعة والثلاثين ما زالوا عُزّاباً، وأنّ سنّ الزواج الأول يتأخّر عاماً بعد عام، حتى صار حديث «العنوسة» ظاهرةً تُدرَس لا مجرّد همسٍ عائليّ. المعيار المتضخّم من جهة، والواقع الماديّ الضيّق من جهةٍ أخرى، يلتقيان عند نتيجةٍ واحدة: طاولة زواجٍ تبقى فارغة.

برودة السوق

والأخطر من ارتفاع المعايير هو المزاج الذي رافقها. فقد تحوّلت العلاقة إلى معاملةٍ سريعة: تقييمٌ بنظرة، ومحادثةٌ بلا عمق، ثمّ اختفاءٌ صامتٌ حين يلوح «الأفضل». يستبدل هذا العالمُ الروابطَ العميقة بعشراتٍ من الروابط الهشّة، ويمنح إحساساً عابراً بالقرب من دون كلفته. يسمّيه علماء الاجتماع  «الوجبات الاجتماعية الخفيفة»: تُشبع للحظة ثمّ تترك جوعاً أعمق. وهكذا صار الجيل الأكثر اتّصالاً في التاريخ هو الأكثر وحدةً في الوقت نفسه، مشغولاً بتحسين صورته وتلميع واجهته كلٌّ يعرض أفضل ما لديه، وقليلٌ منهم من يمدّ يده حقاً.

مجتمعاتٌ تشيخ في صمت

لهذه البرودة ثمنٌ لا يُدفع في القلوب وحدها، بل في هرم السكّان كلّه. فحين تقلّ الزيجات تقلّ الولادات، وحين تقلّ الولادات تشيخ المجتمعات ببطءٍ وصمت. ولم يعد الأمر تحذيراً نظرياً بعيداً؛ فقد بلغته منطقتنا فعلاً. فبحسب دراسةٍ حديثة للمعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديموغرافية، هبط معدّل الخصوبة في تونس من 1.58 لكل إمرأة سنة 2023 إلى 1.53 سنة 2024، ونزل في المغرب إلى 1.97 طفلٍ لكلّ امرأة، دون عتبة الإحلال (2.1) لأوّل مرّة في تاريخه. امرأةٌ كانت تنجب في السبعينيات ما بين سبعة وثمانية أطفال، صارت اليوم بالكاد تنجب طفلاً ونصفاً انهيارٌ بحجم جيلين لا أكثر.

ولا تقف الظاهرة عند حدود المغرب العربي؛ فالمنحنى نفسه يهبط في المشرق والخليج. ففي دول الخليج، تراجعت معدّلات الخصوبة إلى ما دون عتبة الإحلال في أغلبها سنة 2024: الإمارات إلى 1.21 طفلٍ لكلّ امرأة (بعد أن كانت 3.76 قبل ثلاثة عقود)، والكويت إلى 1.51، وقطر إلى 1.72، والبحرين إلى 1.8؛ أمّا السعودية، أكبر دول المنطقة سكاناً، فهبطت خصوبتها من 5.16 سنة 1994 إلى ما يقارب 2.3 اليوم، عند حافّة الإحلال وفي طريقها إلى ما دونه. وفي لبنان الذي أنهكته أزمته الاقتصادية، انهارت الولادات بنحو 40% بين 2020 و2023. من الخليج إلى المتوسّط، تسير المنطقة العربية على المسار نفسه: مواليد يتناقصون، وشيوخٌ يتكاثرون، ومجتمعاتٌ تدخل رسمياً خانة «الدول المُسنّة».

لم يصنع إنستغرام هذا المنحنى وحده بطبيعة الحال؛ فخلفه تعليمٌ يطول، وسكنٌ يغلو، وسؤالٌ تبدّل جذرياً من «كم طفلاً نريد؟» إلى «في ظلّ أيّ ظروفٍ يمكننا تربيتهم؟». لكنّ تأجيل الزواج وتضخّم التوقّعات اللذين تحدّثنا عنهما ليسا إلا الوجه اليوميّ المرئيّ لهذا التحوّل العميق نفسه. والنتيجة تُقرأ في هرم السكّان: ففي المغرب وتونس وحدهما صار من تجاوزوا الستين يمثّلون 13.8% و17% من السكان على التوالي، ويُقدَّر أنّ عقدين لا أكثر يفصلاننا عن اللحظة التي يتحوّل فيها هذا التراجع الهادئ إلى أزمةٍ بنيوية كاملة الأركان. ما يبدأ نقرةً على صورةٍ مُفلترة، ورفضاً صغيراً لبديلٍ «غير مثاليّ»، ينتهي أمّةً يكثر فيها الشيوخ ويقلّ الأطفال.

ليست هذه قصّة أشرارٍ ولا مؤامرة جنسٍ على آخر؛ إنها قصّة نظامٍ ضخّم توقّعات الجميع فوق ما يستطيع الواقع أن يقدّمه. أوهمَنا إنستغرام بوفرةٍ من الخيارات، لكنّه لم يصنع الشيء الوحيد الذي يقوم عليه الزواج: القدرة على أن نرضى، وأن نلتزم، وأن نرى في إنسانٍ عاديّ ما يكفي لنبني معه حياة. وما لم يستعد هذا الجيل تلك القدرة، فسيبقى معلّقاً بين معرضٍ لا ينتهي وبيتٍ لا يُبنى.

المصادر: المعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديموغرافية (INED)، مجلة Population & Societies عدد 644 (ماي 2026) لأرقام شمال إفريقيا؛ وتقرير الأمم المتحدة للخصوبة في العالم 2024 لأرقام الخليج؛ وصحيفة النهار اللبنانية لأرقام لبنان.

شارك هذا المقال

→ المقال التالي المقال السابق ←

التعليقات (0)

تعليقات