الأوديسة - حكاية الصمود التي عمرها ثلاثة آلاف عام

 





تخيّل رجلاً خرج إلى الحرب فغاب عن بيته عشرين عامًا: عشر سنواتٍ يقاتل، وعشر سنواتٍ يحاول فقط أن يعود. هذه، في جوهرها، هي «الأوديسة». ليست حكايةً عن الوحوش والآلهة فحسب، بل عن رجلٍ رفض أن يستسلم مهما خسر، وعن حبٍّ ظلّ يناديه من بعيد حتى ردّه إلى الوطن. قبل نحو ثلاثة آلاف عام رواها شاعرٌ أعمى يُعرف بـ«هوميروس»، وهذا الصيف يعيد المخرج «كريستوفر نولان» روايتها على الشاشة، ببطولة «مات ديمون» في دور «أوديسيوس»، و«آن هاثاواي» في دور زوجته «بينيلوبي»، و«زيندايا» في دور الإلهة «أثينا». وقبل أن تدخل القاعة، دعنا نحكِ لك القصة كما هي.

رجلٌ أراد أن يعود فحسب

كان «أوديسيوس» ملكًا على جزيرة «إيثاكا»، وأذكى رجلٍ في زمانه؛ فكرته الحصان الخشبي هي التي أنهت حرب «طروادة» بعد عشر سنوات من الحصار. وحين وضعت الحرب أوزارها، لم يكن يحلم إلا بأمرٍ واحد: أن يعود إلى زوجته وابنه. جمع سفنه وأبحر، ظنًّا أن الطريق قصير. لكنّ البحر كان له رأيٌ آخر، ولم يكن يعلم بعد أن رحلته إلى البيت ستلتهم عشر سنواتٍ أخرى من عمره.

كلّما سقط، نهض

لم تكن رحلته سهلةً يومًا. في جزيرة «السيكلوب» حبسه عملاقٌ ذو عينٍ واحدة اسمه «بوليفيموس» داخل كهفه، وراح يفترس رجاله واحدًا تلو الآخر. لكنّ «أوديسيوس» لم يستسلم للخوف؛ أسكر العملاق، وأخبره أن اسمه «لا أحد»، ثم أعماه وتسلّل هاربًا. غير أن كبرياءه دفعه إلى أن يصيح باسمه الحقيقي وهو يبتعد، فعرف «بوليفيموس» من آذاه وشكاه إلى أبيه، إله البحر «بوسيدون». ومن تلك اللحظة حلّت اللعنة.

ثم توالت المحن كأنها موجٌ لا ينتهي. ريحٌ عاصفة أعادته إلى عرض البحر حين صار الوطن على مرمى البصر. وعمالقةٌ آكلو لحوم البشر حطّموا سفنه إلا واحدة. وساحرةٌ اسمها «كيرْكِه» مسخت رجاله خنازير قبل أن يُرغمها على ردّهم بشرًا. نزل إلى «العالم السفلي» ليسأل الموتى عن طريقه، وسدّ آذان بحّارته بالشمع لينجو من أغاني «السيرينات» القاتلة، وأوثق نفسه إلى الصاري ليسمعها ويبقى حيًّا. عبر بين وحشٍ ودوّامةٍ فخسر ستةً من رجاله دفعةً واحدة. وفي النهاية، حين ذبح رفاقه الجائعون بقرًا مقدّسًا، ضربت صاعقةٌ سفينته فأغرقت من بقي. الجميع إلا هو.

كان في كل مرةٍ يخسر شيئًا: رجاله، سفنه، سنوات عمره. وفي كل مرةٍ كان ينهض من جديد. هذا هو «أوديسيوس»: لا الرجل الذي لا يسقط، بل الرجل الذي لا يكفّ عن النهوض.

الإغراء الأصعب: أن يتوقّف

لكنّ أقسى ما واجهه لم يكن وحشًا؛ كان الإغراء بأن يتوقّف. في جزيرةٍ بعيدة قدّم له أهلها ثمرة «اللوتس» التي تُنسي مَن يأكلها بيته وماضيه؛ فمن ذاقها من رجاله لم يعد يريد الرحيل. جرّهم إلى السفينة عنوةً وأبحر. ثم جاء الإغراء الأكبر: الحورية «كاليبسو» التي أنقذته من الغرق، وأحبّته، وعرضت عليه أن تجعله خالدًا لا يموت أبدًا، شرط أن يبقى معها.

تأمّل العرض: حياةٌ أبدية، بلا شيخوخةٍ ولا موت. ومع ذلك رفض. كان يجلس على الشاطئ كل ليلةٍ يبكي، لا يشتهي الخلود، بل يشتهي وجه زوجته «بينيلوبي». آثر أن يكون إنسانًا فانيًا يعود إلى بيته، على أن يكون إلهًا ينسى من يحب. وهنا يكمن قلب الحكاية كلّه: القوة ليست في أن تقهر العمالقة، بل في أن ترفض أن تنسى.

العودة إلى «إيثاكا»

بعد سبع سنواتٍ من الأسر، لانت «كاليبسو» أخيرًا بأمرٍ من الآلهة، فبنى «أوديسيوس» طوفًا وأبحر. وبعد عاصفةٍ أخيرة كادت تقتله، بلغ شواطئ «إيثاكا» — بعد عشرين عامًا كاملة.

لكنّ بيته لم يكن كما تركه. فقد ملأه أكثر من مئة رجلٍ يطمعون في زوجته، ظنًّا أنه مات. أما «بينيلوبي» فظلّت وفيّةً طوال تلك السنين، تراوغهم بحيلةٍ بارعة: تنسج ثوبًا في النهار وتنقض ما نسجته في الليل، واعدةً أن تختار زوجًا حين تُتمّه فلا تُتمّه أبدًا.

دخل «أوديسيوس» بيته متنكّرًا في هيئة شحّاذ، فالتقى ابنه «تيليماخوس» الذي كبر في غيابه. وحين أعلنت «بينيلوبي» مسابقةً تتزوّج من يوتّر قوس زوجها الغائب ويصيب هدفًا بعيدًا فشل الطامعون جميعًا. ثم تقدّم الشحّاذ، فوتّر القوس بلا عناء وأصاب الهدف، ثم كشف عن نفسه وأنزل بالطامعين عقابهم. وأخيرًا، بعد عشرين عامًا، عاد الزوجان إلى بعضهما.

قلب الحكاية: الصمود والحبّ

في ظاهرها، «الأوديسة» مغامرةٌ تعجّ بالوحوش والعواصف والآلهة. لكن في عمقها حكايةٌ بسيطة وخالدة: عن إنسانٍ يسقط ويسقط ثم ينهض في كل مرة، وعن حبٍّ ظلّ يشدّه إلى الوطن حين خانه كل شيءٍ آخر. لهذا بقيت تُروى ثلاثة آلاف عام، ولهذا اختارها «نولان» ليبني عليها أطمح أفلامه. وحين تجلس في القاعة، تذكّر أن أعظم لحظاتها ليست حين يهزم العملاق، بل حين يرفض الخلود من أجل امرأة. وحين تسأله «بينيلوبي» أخيرًا أين كان كل هذه السنين، لا يملك إلا أن يبتسم ويجيب: «من أين أبدأ؟».

 

«الأوديسة» — إخراج «كريستوفر نولان» · في الصالات ابتداءً من 17 يوليو 2026 · توزيع «يونيفرسال بيكتشرز».

شارك هذا المقال

→ المقال التالي المقال السابق ←

التعليقات (0)

تعليقات